حوار صحيفة الميثاق مع الدكتور يحيى الطائي
(مساعد الأمين العام لهيئة علماء المسلمين للشؤون العامة)
الميثاق| كيف تقرأ تحركات الكاظمي في نهاية ولايته لاسيما مؤتمر دول الجوار العراقي وعودة المهجرين ومحاربة الفساد والسلاح المنفلت؟
الطائي| بلا شك يسعى الكاظمي إلى لعب دور يشفع له من أجل ولاية ثانية وخصوصًا هو مقبل على انتخابات ويملك كتلة ذات ثقل تؤهله إلى ولاية ثانية، وأعتقد السؤال الأهم هل أن الحكومة الحالية قادرة على لعب دور فاعل ومؤثر في المنطقة من خلال هذا المؤتمر؟ بنظرة فاحصة إلى الحكومة الحالية فهي ضعيفة داخليًا بسبب أن الكاظمي جاء بتوافق كتل لها ميليشيات فعالة في المشهد وذات نفوذ أكبر من نفوذ الدولة ذاتها، ولهذا نجد أن الكاظمي لم يقترب من خطوطها الحمراء ولا الصفراء وتركها تصول وتجول بحرية تامة لأنها هي التي جاءت به وهي القادرة على إزاحته من منصبه، فهو أسير إرادتها في البقاء، وضعفه خارجيًا بسبب النفوذ الإيراني الذي رسم حدودا له لا يستطيع الكاظمي تعدي تلك الحدود لأنه يعلم جيدًا أن صنع القرار لا يكون نابع من إرادة وطنية تتجلى فيها مصلحة العراق؛ والأدلة كثيرة على أن المصلحة الوطنية غائبة تماما في كل ما يحصل.
فإذن المحصلة النهائية لانعقاد هذا المؤتمر لا يعدو أن يكون بإيحاءات إيرانية من قبل مد الجسور لتفاهمات إقليمية على أرض العراق فقط، وكلام الرئيس الإيراني الجديد الذي وصف المؤتمر بقوله خطوة مباركة وتتطلع لحوار بين دول المنطقة لمعالجة القضايا الخلافية وتحسين العلاقات بينها لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، طبعا الكاظمي سيستفيد إعلاميا من وجود هذه الدول وبحسب تمثيلها إذا كان على مستوى عالي ولكن النتيجة النهائية هي حرق أموال الشعب العراقي دون عائد يعود بالنفع على العراق والعراقيين من أجل تحسين الوضع بشكل عام.
أما فيما يخص عودة المهجرين فالكاظمي كما أسلفنا ليس صاحب القرار في هذا الملف، وإنما الميليشيات الولائية والكل يعلم كيف منعت هذه الميليشيات وزير الداخلة عن الدخول إلى منطقة جرف الصخر واعتقلته. ولذا سيبقى ملف المهجرين معلقًا من جهة الحكومة، والمطالبة بعودتهم من الكتل السياسية مجرد دعاية انتخابية وستبقى معاناتهم في أماكن النزوح التي لا تتوفر فيها مستلزمات العيش الكريم، والحكومة غير مهتمة لما يحصل لهم ولم تقم بواجبها بإعانتهم وتوفير ما يحتاجونه بل على العكس قامت بإغلاق كثير من المخيمات دون أن توفر لهم مأوى أو سكن.
وبخصوص محاربة الفساد فهو ملف سياسي بامتياز بمعنى هو ليس محاربة للفساد والفاسدين بقدر ما هو ملف مساومات سياسية للكتل السياسية الكبيرة، والميليشيات تحمي الفساد والفاسدين وتساوم الكتل الأخرى بتلك الملفات من أجل تمرير صفقات سياسية وغيرها.
أما السلاح المنفلت فهذا سيبقى سيفًا على رؤوس العراقيين وعلى رأسها الكاظمي أيضًا، فهو أضعف من أن يقوم بنزعه، وخير دليل قيامها بعمليات كبيرة داخل المنطقة الخضراء وقيامها باستعراض للقوة ولم يحرك الكاظمي ساكنًا.
الميثاق| هل العراق بوضعه الحالي قادر على مواجهة هذه التحديات في ظل هيمنة ميليشيا الحشد على العراق خصوصًا وأن البعض وصف خطواته بأنها تضليل وخداع؟
الطائي| كل حكومات الاحتلال هي حكومات هشة لأنها لم تأتِ بإرادة وطنية حقيقية، فليس لها رصيد حقيقي على الأرض وإنما جاء الاحتلال بهذه الطبقة السياسية وصاغ لها عملية سياسية مبنية على أساس طائفي وعرقي؛ فغابت الهوية الوطنية عنها ونزعت ولائها الوطني والتحقت بولائها الضيق وهي الهوية الطائفية العرقية، ثم أصبحت هذه الطبقة السياسية مستأثرة بالسلاح والمال ثم تكللت سطوتها بإنشاء الحشد الذي يمثل الحامية لهذه الطبقة السياسية الفاسدة
فالحديث بأن العراق بوضعه الحالي قادر على مواجهة التحديات الموجودة ما هو إلا خداع وتضليل، وهذا لا يحتاج إلى محلل سياسي بل الشارع العراقي أصبح يدرك تمامًا هذه الحقيقة، ولذا نجد جموع المتظاهرين تخرج بصدور عارية في مواجهة تلك الميليشيات تطالب بحقوقها مع أن تلك الميليشيات تمارس ضدهم أشد أنواع الانتهاكات من التعذيب والقتل والخطف، لأنهم يدركون حقيقة بأن الحكومة عاجزة عن فعل يردع تلك الميليشيات المسيطرة على المشهد السياسي.
الميثاق| هناك من يراهن على نتائج الانتخابات المقبلة رغم عمليات التزوير التي شابت الانتخابات الماضية وفشل نتائجها في حل معضلات العراق، هل تعتقد أنها ستجرى في موعدها وتعكس إرادة الشارع الحقيقي؟
الطائي| هناك حقيقة أدركها الشعب العراقي بأن الانتخابات ونتائجها لا يمكن أن تغير الواقع العراقي، فالطبقة السياسية ذاتها تتكرر وجوهها وهي عبارة عن تدوير للنفايات والكل يعلم نسبة المشاركة في الانتخابات الماضية لم تتجاوز 19% في أحسن أحوالها فعزوف المواطنين في المشاركة فيها دليل على عدم جدوى المراهنة عليها سابقا ولاحقا.
أما مسألة تزويرها فمن نافلة القول إن من يزور إرادة الشعب لا يصعب عليه تزوير أصواته، وكما هو معلوم بأن الكتل السياسية كل مرة تغير في قانون الانتخابات وفي طريقة حساب الأصوات بحسب ما تريد هي وبحسب ما تضمن بها سيطرتها، أما إرادة الناخب فلا علاقة لها بما يضعه في صندوق الانتخابات، لأن المقاعد محجوزة سلفًا قبل العد والفرز.
وفيما يخص أنها ستجري في موعدها أو تؤجل فهذا خاضع للصراع بين الكتل المتصارعة فيما بينهما فالتي تشعر بأن حظها في الفوز بمقاعد أقل من السابق تطالب بالتأجيل، والتي تضممن فوزها بمقاعد أكبر وفي الغالب هذه ممن تساندها الميليشيات الولائية فهذه تريد إجراءها في وقتها، فالمهم في هذا الموضوع بأنه صراع كتل سياسية تتناكف فيما بينها والضحية هو الشعب العراقي.
الميثاق| واقع المدن المستعادة من داعش مرير وكارثي ويدعو للقلق جراء معاقبة أهلها من قبل ميليشيات الحشد في محاولة للتغيير الديمغرافي؛ كيف تنظر لهذا المسار؟
الطائي| بالتأكيد واقع هذه المدن كارثي فالميليشيات بذريعة محاربة داعش الإرهابي هي من تمارس دورًا كبيرًا في ترويع الناس وإرهابهم في هذه المدن، فالميليشيات تتحكم بالمشهد الأمني وتعتقل وتقتل وتعذب بعيدًا عن القانون، والمكاتب الاقتصادية للميليشيات تبتز المواطنين وتفرض الإتاوات على المحلات التجارية وتتقاسم المشاريع الكبيرة مع الأهالي ناهيك عن حالة الإذلال وامتهان كرامة الناس وكذلك تمارس عملية التغيير الديموغرافي فتهجر مدن كاملة كما حصل في جرف الصخر ويثرب وغيرها وكذلك مصادرة الأراض الزراعية، فهذه المدن عانت في السابق وتعاني الآن بسبب هذه الميليشيات رغم انتهاء الحاجة لوجودها في تلك المناطق ولذا نجدها تفتعل إحداث فوضى من أجل إيجاد مبرر لوجودها.
الميثاق| هناك معلومات تشير إلى حملة ممنهجة لتوطين غرباء في عدة مدن عراقية تنفذها الميليشيات وبمباركة إيرانية؛ أين يكمن خطر هذه الحملة؟
الطائي| الميليشيات تسعى لإنشاء بؤر مزعجة من خلال توطين غرباء بدل من أهالي المنطقة طبعا هذا له تأثير سلبي؛ فهؤلاء الغرباء من نسيج اجتماعي غير متوافق مع هذه المدينة أو تلك فهي بداية صراع مستقبلي ثم إن وجودهم لغاية سياسية وإيدلوجية، وهذا سيكون نواة لصراع مستقبلي فمن هجر من أرضه ويعود بعد سنتين يجد من يسكن في منزله الذي بناه بعرق جبينه وكان يحلم به ويجد من يأكل ثمر زرعه الذي رعاه وصرف عليه مالا كثيرا دون وجه حق فقط لأن الميليشيات أرادت ذلك فبالتأكيد سيسعى إلى استعادة ماله المغصوب؛ فالميليشيات بدعم من الحكومات والأحزاب تنفذ مشروعا خطيرا في العراق له آثار كارثية على مستقبل العراق.
الميثاق| بتقديركم ماهي اشتراطات الحل والتغيير الحقيقي لأوضاع العراق؟
الطائي| التغيير الحقيقي يجب أن ينبع من إرادة الشعب العراقي وليس من إرادة خارجية تفرض على العراقيين حلا يناسب الإرادة الخارجية ولا يتناسب مع واقع العراق ومستقبله، فالعراق وطن الجميع والولاء يجب أن يكون للهوية الوطنية الجامعة للعراقيين وتكون مصلحة العراق أولا وثانيا، فمن شروط الحل في العراق إقامة نظام مبني على أساس العدل والمساوات بين أفرد الشعب وكتابة دستور يمثل إرادة الشعب العراقي خارج أطار الإملاءات الخارجية وتكون الهوية الوطنية واضحة فيه وليس عائمة ويكفل للمواطن الحرية والحياة الحرة الكريمة أسوة بباقي الأمم، فالعراق هو أول من سن القوانين فمن المخجل والمعيب أن يفرض عليه الآخرون قوانينهم.
الميثاق| وهل نحن أمام مشهد مشابه لما جرى في كابل بعد فشل المشروع الأمريكي في أفغانستان؟
الطائي| المشروع الأمريكي فشل في أفغانستان وسيفشل في العراق. أما سيناريو كابل هل سيتكرر؟ بالتأكيد سيتكرر وإن اختلفت الصورة فالمؤدى واحد، بمعنى كل من جاء مع الاحتلال سيرحل وهذه مسألة طبيعية حتى جسم الإنسان الطبيعي يرفض أي جسم غريب يدخل له ربما يمرض الإنسان ويضعف ويصيبه ما يصيبه لكن كل هذه ستكون له مناعة من الجسم الغريب فالمسألة مسألة وقت ليس إلا، والذين جاؤوا مع الاحتلال يدركون ذلك ولذا تجدهم يسرقون ويتجنسون لأنهم يدركون بأن هذا ليس وطنهم وأن أيامهم معدودة ولذا نجدهم يستثمرون أموالهم في لندن وغيرها وكل احتلال لا يدوم طال الزمن أو قصر وعملاؤه وأذنابه سيتعلقون بالطائرات كما حصل في فيتنام وكابل.
الميثاق| ماهي دلالات الهزيمة الأمريكية في فيتنام والعراق وأفغانستان على مستقبل نضال الشعوب التواقة للحرية والانعتاق وانعكاسها على المكانة الأمريكية في العالم؟
الطائي| دلالات الهزيمة الأمريكية أثبتت حقيقة مهمة جدا بأن إرادة الشعوب أقوى من كل الأسلحة وإن إرادتها لن تهزم وشدتها لن تكسر، نعم ربما تضعف ولكن في النهاية ستنتصر لأنها صاحبة الحق وصاحبة الأرض، فإرادة من يدافع عن حقه أقوى من إرادة من يغتصب حق غيره، وما حصل في كابل درسًا مهما فبعد أكثر من عشرين سنة من صبر ومطاولة ومجالدة استطاعت طالبان أن تهزم أمريكا صاحب اليد الطولى في السلاح والتكنلوجيا، فهذه بارقة أمل لكل الشعوب بأن النصر آت وهو قادم لا محال وبالصبر والثبات تنتصر الشعوب التواقة للحرية.
الميثاق| سعت أحزاب السلطة الحاكمة إلى إحداث شرخ كبير بين نشطاء ثورة تشرين من خلال الترهيب والإغراء، أين يكمن دور القوى المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية لتحصين مسار الثورة من الدخلاء وتعضيد ساعد الثوار؟
الطائي| ما فعله نشطاء ثورة تشرين نزع ورقة التوت عن أحزاب السلطة وجعلها عارية أمام الشعب، فهذه الأحزاب منذ أكثر من سبعة عشر عاما عاثت في الأرض فسادا وقتلا وسرقة للأموال ولأحلام الشباب، وأذكر عبارة لأحد المواطنين وهو يصف الطبقة السياسية والأحزاب الحاكمة فقال: إذا اتفقوا سرقونا وإذا اختلفوا قتلونا، لذا نجد هذه الطبقة تحاول بشتى السبل منع هذه الثورة والتظاهرات ترغيبا وترهيبا لأنها تعجل بمصيرهم المحتوم وهو محاسبتهم على ما اقترفت أيديهم من قتل وتدمير للعراق.
أما دور القوى المناهضة فدورها مساند ومعاضد في الداخل وصدى صوتها في الخارج، وعليها تحصين مسار الثورة ضد كل ما يحاك ضدها من مؤامرات سواء في حرف مسارها الحقيقي من التغيير الشامل إلى أهداف جزئية أو مطلبية أو من خلال وضع تصانيف لها تخرجها من إطارها الوطني إلى إطار ضيق.
الميثاق| ينهض الميثاق الوطني العراقي بمهمة جمع وتوحيد القوى الوطنية المناهضة للعملية السياسية وانفتاحه على الآخرين، لاسيما وأنه يضم قوى وازنه في المشهد السياسي؛ كيف تنظرون لهذا المسعى؟
الطائي| الميثاق الوطني العراقي يمثل عقدًا وطنيًا مهمًا كون أهدافه تمثل إرادة الشعب العراقي وكل القوى التي تريد الخير والعزة للعراق، فهو بذلك يعد جامعًا وطنيًا لأطر قد تختلف في أيدولوجيتها وفي خطها الثوري وفي رؤيتها للبناء، ولكنها تتفق على مبادئ الميثاق كونه عقدًا وطنيًا ولذلك هو اللبنة الأساسية من ناحية الشروع وكذلك تأسيسا لحالة وطنية طاردة للطائفية والعرقية وكل ما من شأنه أن يمزق النسيج الوطني ويحافظ على وحدة العراق أرضًا وشعبًا، وهذا مبتغى كل قوى الخير التي تنتمي انتمائًا حقيقيًا لتربة العراق، وهذا المسعى المباركة يحتاج إلى دعم كل القوى الوطنية لتكون داخل هذا العقد الوطني ليكون فسطاطا لقوى الخير الساعية لتحرير العراق واستعادة هويته وحريته الحقيقية.