بقلم| صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
لم تسر الأمور على ما يرام، لا للمحتل ولا للمحتلين. مع احتفال ثلثي السكان بنزعات طائفية وعرقية بالغزو على أنه تحرير (باستثناء التيار الصدري في الجنوب) تُركت المقاومة لأولئك الذين استشفوا المستقبل البائس لبلد ينزف بسبب 13 عامًا من نظام العقوبات القاتل: من العقوبات إلى نظام الاحتلال!
ومع ذلك، على الرغم من آلة الحرب الساحقة لأقوى دولة على وجه الأرض وحلفائها، فإن شباب المقاومة المسلحة المتمسكين بقدسية الأرض تمكنوا من إنزال خسائر فادحة في صفوف جيش الاحتلال من خلال جر المحتلين إلى حرب غير متكافئة لم يكن جيش "تحالف الراغبين"، على الرغم من كل خطابات التحرير المفترضة، مستعدًا ولا قادرًا على الفوز: فيتنام مرة أخرى!
إدراكًا منهم أن الجيش يخسر المعركتين، على جبهة القتال وجبهة الفوز بقلوب العراقيين وعقلهم، أعاد المحتلون تحميل التكتيكات الإمبريالية القديمة لفرق تسد: تحريض العراقيين ضد بعضهم البعض من خلال استخدام سلاحين قاتلين للدمار الأيديولوجي الشامل: الطائفية والإرهاب المستورد.
بالتعاون والتنسيق مع إيران وأذرعها السياسية والميليشياوية، أدخل جيش التحالف إلى ساحة المعركة، أولاً، القاعدة، ثم تنظيم الدولة الإسلامية، لتمكين إيران وأذرعها من قمع المقاومة واستدراجها إلى مستنقع الحرب على الإرهاب.
مثال على الأول معركة الفلوجة في 2004، والثاني هو الاحتجاج السلمي في 2012/2013 في المحافظات الغربية. في كلتا الحالتين، كان إدخال الزرقاوي، العميل الايراني، الى الفلوجة وإدخال داعش البغدادي، الاخير نتاج عمليات غسيل الدماغ في المعتقل الأمريكي، إلى الأنبار والموصل مخططًا له بمنهجية (سحب الجيش العراقي من الموصل من قبل سليماني والمالكي، اصدار فتوى الجهاد الكفائي للمرجعية حسب طلب سليماني لتشكيل حرس ثوري ايراني، ما يسمى الحشد الشعبي، لاحتلال المحافظات الغربية وربط إيران بنظام الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان) لإسكات وتجريم مقاومة الاحتلال ونظام دبابته "الديمقراطي"، أي نظام التحكم الاستعماري.
في هذه الأثناء تشكلت حركات احتجاجية شبابية في المحافظات الجنوبية للمطالبة بالعدالة والمساواة في وجه عصابات الأحزاب وعشائر وأمراء الحرب والمافيا الاقتصادية الفاسدة للعظم. وصلت موجة الاحتجاج إلى أعلى مد في أكتوبر 2019 حيث قُتل، اعيق، أو جُرح 10 الآلاف من العراقيين بدم بارد.
مرارًا وتكرارًا، اصطفت القوى "المتحضرة" والأمم المتحدة خلف الميليشيات واستمرت في حكمها الإرهابي بما يتعارض مع المطالب الديمقراطية للشعب، حيث تم تعيين جميع رؤساء الوزراء والإشراف عليهم من قبل السفارات الأمريكية والإيرانية على الرغم من نتائج الانتخابات وضدها. آخرها انتخابات 2021 والانقلاب المنظم من قبل مجلس القضاء وبمباركة السفارة الأمريكية.
الهدف يعرف من وسائله: من شرف مقاومة المحتل إلى مقاولة تدمير العراق
مبدأ الغاية تبرر الوسيلة لا يعني فقط مفهوم ذرائعي لسياسة القوة والمصلحة التي تفتقد الى الأخلاق السياسية، انما يفصح عن خبايا ظاهرة سياسية تساعدنا على فهم هذا الفعل السياسي. لو نسأل الآن ما الغاية من ارهاب فصائل المقاولة، أذرع خامنئي المسلحة والمنفلتة في العراق التي تبرر أفعالها الارهابية ضد الشعب تحت شعار مقاومة الامريكان وتحرير القدس؟ سينكشف لنا القصد والهدف الاساسي خلف هذه التبريرات المزيفة: خلق حالة فوضى وزعزعة الأمن وعدم استقرار في العراق بهدف جر البلد الى منحدر الهاوية وقمع اي معارضة أو احتجاج ومن ثم الحفاظ على هيمنة إيران في العراق كي تستخدمه ورقة تفاوض مع الامريكان من خلال تمكين حكومات موالية لإيران. هدف الفصائل المحسوبة على الحشد الشعبي، وليس فقط ما تسمى منفلتة، هو القضاء على شيء اسمه دولة وشعب العراق وتحويله الى قطع غيار تخدم المصالح الايرانية، بالإضافة طبعا الى اشباع مصالحها الخاصة من فرهود واتاوات والتجارة بالممنوعات.
نتعلم من التأريخ أن البشر لا يتعلمون شيء (هيغل)
بعدما شعرت الميليشيات الحاكمة بالقوة والدعم من قبل الولايات المتحدة وإيران، عادت إلى المربع الأول، إلى ما قبل ثورة أكتوبر، وأقرت قانون انتخابات كان في السابق يؤمن قبضتها على السلطة التشريعية والتنفيذية: سانت ليغو المعدل إطاريا!
صحيح أن الحكومة الحالية قد تم تشكيلها وتمكينها من الولايات المتحدة بشروط صارمة يتعين عليهم الامتثال لها تمامًا وإلا سيتم إسقاطهم مثل الليمونة المعصورة، ومع ذلك لا يوجد ضمان بأن هذه الحكومة ستنجو في الأوقات العصيبة القادمة: أزمات مالية واقتصادية والتحولات الجيوسياسية الإقليمية والعالمية. حتى الآن سجل هذه الحكومة كارثي على جميع المستويات التي يمكن تصورها، ومصيرها سوف يتحدد، في آخر المطاف، من قبل الأغلبية الصامتة من الشعب حتى الآن.
الوقت حافل بالمفاجآت، السارة والكارثية!.