بقلم| د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
قام الغرب بتسييس الرياضة لإرسال رسائل ثقافية أو جيوسياسية لإحداث نقاش وضجة حول قيم وحقوق محددة. لقد فعلت الحركات الاجتماعية هذا أيضًا. كلنا نتذكر احتجاجات المحرومين والعاطلين عن العمل خلال كأس العالم في البرازيل 2014. الرياضة الشعبية مثل كرة القدم هي إحدى الوسائل الفعالة للتوعية العامة حول القضايا التي عادة ما تقوم الحكومات بقمعها أو التغطية عليها بجدار إعلانات العيداني لإخفاء منظر الفقر والعشوائيات عن أعين الجمهور الخليجي. كأس الخليج 2023 في البصرة أكثر ملائمة للرسائل المجتمعية الاحتجاجية لأن الملاعب والبنى التحتية مشيدة على جثث المتظاهرين الأبرياء والمهجرين من أبناء المدينة.
الآن كيف يمكن للعاطلين والمهمشين والفقراء أن يستغلوا الحدث لإسماع صوتهم ضد نظام الميليشيات والسياسيين الفاسدين الذين نهبوا الممتلكات العامة وجوعوا السكان؟
يجب على الحركة الاحتجاجية تجاوز الأحادية والرمزية (المذهبية) الماضية التي حاكت جزءا من المجتمع ولم تستطع توسيع دائرة قبول وضم الآخر. هذه المرة يجب تنويع وإشراك الكل على طول الخطوط المتقاطعة للطبقة والعرق والجنس والعمر. تنوع المشاركين عبر الخطوط الهرمية والاقصائية الاجتماعية يضمن مشاركة الجميع ومساهمتهم في إحداث التغيير. فضلا عن ذلك، تنوع المشاركين يقوي نسيج المجتمع البصري من خلال تشجيع الحوار وتحويل الصراعات الوهمية داخل النسيج المجتمعي التي جذرتها المنظومة الفاسدة إلى صراع مجتمعي حقيقي مع المنظومة الفاسدة. التغيير الاجتماعي الذي يحدث في جزء صغير فقط من المجتمع يحد من قدرة الناس على تغيير الأسباب الجذرية لعدم المساواة البنيوية والظلم الاجتماعي. التنوع يشترط إشراك حقيقي لأفراد المجتمع المهمشين في صيرورة صنع واتخاذ القرار (النساء وكبار السن والشباب وأصحاب البشرة السمراء المهمشين وأصحاب البسطيات وسكان العشوائيات والمهجرين في المخيمات والمتضررين من تلوث البيئة بسبب التعاطي غير المسؤول مع حقول النفط والغاز الخ). من خلال تمكين وإشراك كل هذه الفئات المجتمعية المتضررة، يمكن أن يؤدي بناء وحدة الصفوف إلى تغيير قيم المجتمع وإحساس الفرد بذاته وبحقوقه كمواطن.
ما هي التكتيكات وأشكال الاحتجاجات المناسبة لهذا الحدث؟ هذا ما سيقرره الناشطون والمحتجون لأنهم أدرى بالواقع الميداني الغير آمن وعواقب الاحتجاج في ظل منظومة ميليشياوية خارجة بأكملها عن القانون. الشيء الوحيد الممكن قوله هو: كلما استمدت الحركة الاحتجاجية من الثقافة المحلية في البصرة وتنوع نسيجها الاجتماعي التأريخي ورمزية شهداء وشهيدات البصرة، ريهام يعقوب وأحمد عبد الصمد...، وعكست هذه الثقافة المتنوعة في شكل ورمزية احتجاجها، كلما كان التأثير أعمق، صوت الاحتجاج أعلى، وفرص النجاح أكبر.