الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات رمضان.. وكان.. ياما.. كان..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (باحثة بالشأن العراقي)

كثيرًا ما نعبث بأوراق الماضي خصوصًا إذا كانت الأجواء استثنائية مثل أجواء شهر رمضان المبارك، لنتصفح صوره وذكرياته لتأخذنا إلى أيام خلت وأوقات جميلة عشناها مع رفقة طيبة أو شخص عزيز أو جار أنيس فيجتاحنا الحنين وتهزنا الأشواق وندخل في حالة تعلو على الواقع، ونبدأ في وصف جمال تلك الأيام ولسان حالنا ينطق: (ياالله على ذلك الزمن الجميل).

يأنس الإنسان بالعودة إلى الماضي، فيخلع عليه ثوب الطهر، فينقيه من الضغائن ويبقي على الجمال المخزّن في الذاكرة على شكل صور يسترجعها متى ما أحس بألم الحاضر، أو بؤس المستقبل، ويتناسى تمامًا أنه عاش تلك الأيام بحنين إلى ماض آخر، بحثًا عن متنفس لآهاته وزفراته.

في صغري لا أذكر أن شيئا على مائدة الإفطار أثار فضولي أكثر من والدي عندما يقوم بتجهيز الشراب بمختلف ألوانه، والحلويات والفاكهة التي يجلبها معه أثناء عودته من العمل وهو صائم وحبات العرق تتساقط من جبينه من شدة التعب. كنا نسكن جميعا في بيت جدي ذو الطابع الموصلي القديم في محلة المكاوي إحدى المناطق القديمة في الجانب الأيمن من مدينة الموصل، كانت عمتي تحثنا على الصيام واتذكر وقتها كان شهر تموز والجو شديد الحرارة ولا أريد الإفطار لأن جميع من في البيت صائم، وكان الصغار يحظون باهتمام كبير لصيامهم. وكنت حينها صغيرة السن أظن أن حلوى رمضان من طعام أهل الجنة، ولطالما تخيلت أن الشهداء في الجنة يأكلون الحلوى، وكنت اراقب عمتي وهي تستمتع بصوت الشيخ النقشبندي وهو يتولوا ابتهالاته (مولاي يا الله إني ببابك قد بسطت يدي) كان صوته ساحرًا من نوع ما.. يحملنا إلى أصقاع الكون.. كانت عمتي تصطحبني معها للجامع الذي بقرب دارنا جامع قديم جدًا يعود بناؤه إلى أكثر من مئتي سنه وأرى جيراننا نساءا ورجالا وعددًا قليلًا من الأطفال يصلون التراويح. كنت أنظر إلى حديقة الجامع وكأنها إحدى العجائب السبع لكثرة أزهارها ورائحتها العطرة التي تملؤ المكان

لحظات جميلة نحاول اجترارها، نتذكر الماضي، ونستعلي من خلالها على الحاضر فضلا عن المستقبل، محاولين العودة إلى الوراء للتخفيف عن أنفسنا. والحقيقة أن ربط الزمن الجميل بالماضي فيه تعد على الحاضر، وتشاؤم من المستقبل، إذ نجعل الجمال فيما ذهب فقط، ونرسل زفرات التحسر والندم لنصبغ بها حاضر الأيام وقادمها.

أنا لست امرأة مسنة كما أن بيني وبين الشيخوخة عمراً مديداً ورغم ذلك، فإن لي من الذكريات التي تجعلني أنظر للمكان هذه الأيام نظرة غريب، مستوحشة من ناسه.. وجلاسه؛ لا عليكم لا تهتموا لهذه البداية، فنحن في رمضان وذكريات الماضي غير البعيدة تفصلني -وأبناء جيلي- عنها ثلاثة عقود وأكثر.. وإن بدت للبعض بعيدةً كعصر النهضة، أو حالمة كزمن الوحدة. ومن الإنصاف أن نستذكر الماضي بخيره وشره لأخذ العبر، ونستأنس بلطف الله وما قدره لنا. وكما أن الماضي لم يكن خيرًا محضًا، فكذلك الحاضر والمستقبل ليسا شرًا مستطيرًا، نتعوذ منهما آناء الليل والنهار، بل هو حال متغير، ودنيا متقبلة، نتقلب فيها بين الخير والشر، ونواجه كليهما بكل قوتنا وشجاعتنا، فيكون حالنا الحمد عند الأولى والصبر عند الأخرى.

ولا أدري هل الحنين للماضي وفاء أم هروب من الواقع الحالي؟ أم هو متنفس لعلاج الضغوط النفسية؟ فالإنسان يتذكر اللحظات الجميلة من الماضي في مقابل اللحظات الصعبة التي يعيشها من الحاضر فعندما تواجهنا خلال حياتنا الكثير من العقبات والمخاطر نحنُّ إلى ماضينا البسيط وطفولتنا الجميلة المليئة بالأمان الخالية من المسؤولية، وعندما تواجهنا قسوة بعض الأشخاص بالمجتمع نتذكر طيبة أهل زمان، فجميعنا يشتاق للبيت الكبير ودفء العائلة، ونحنّ لشوارعنا التي كانت تعج بضحكات الأطفال والتواصل بين الأهل والجيران، فنحن نسترجع الذكريات القديمة بحنين للماضي عندما نتعرض لعراقيل وصعوبات في حياتنا الحالية تجعلنا نقارن بين الماضي والحاضر ونتمنى عودته، بل نجد أن مشاعر الفرح والحزن كانت أكثر صدقًا في الزمن الماضي رغم بساطة الحياة إلا أن الحب والدفء كان دائما يحيط بالإنسان، فتلك مشاعر قد افتقدناها.

هل تساءلت يوما عن سر ذلك الحنين، وذلك الشعور الذي يطاردك عندما تزور بيتك القديم وتفتقد الزقاق خاصة بعد تلك الحروب الدموية التي غيرت كل ملامح مناطقنا أو بالأحرى قضت عليها ودمرتها، نشتاق لتلك الأماكن ويأخذنا الحنين لها لقد عشنا فيها أيام طفولتنا وشبابنا تلك الرائحة المألوفة، ذاك الاطمئنان الذي نشعر به عندما نذهب إلى مكانٍ من الماضي، عندما كان كل شيء جيد وكان الجميع سعداء ونتمنى لو أننا نستعيد تلك الحياة ولو للحظات..

ولعل سبب المبالغة في تذكر الماضي هو ما طرأ على بلدنا من احتلال غاشم وتسلط عصابات مجرمة على شعبنا الصابر ساسته بالظلم والقهر وتسببت بآلامه وأوجاعه ومعاناته الكبيرة والكثيرة التي لا تندمل؛ حتى أنها تسببت بتغيير طبيعة العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين أبناء الشعب العراقي؛ وكان لهذه العلاقات دور في التوازن النفسي والاطمئنان والاستقرار العاطفي، حتى فقدنا العلاقة والتواصل الطيب بين الجيران، وفقدنا تجمع الأطفال والبراءة تعلوهم وهم يلعبون في شوارع الحي، افتقدنا التجمع الأسري اليومي حيث كان أفراد الأسرة يجتمعون يوميا ثلاث مرات على طاولة الطعام، ويلتقون جميعا على سفرات الإفطار والسحور يتحاورون ويحصلون على مساحات واسعة للفضفضة فيحتسون جرعات كافية من الاطمئنان والسعادة والراحة النفسية. وغيرها من العلاقات الاجتماعية. افتقادنا للتواصل الاجتماعي مع الآخرين أثار لدينا احتياجا نفسيا للعودة للماضي، وجعلنا نشعر بأننا خسرنا أياماً جميلة سعيدة لن تعود، ولذلك تعزز لدينا الشعور بأن الأيام السابقة أجمل من الأيام التي نعيشها، والتي سنعيشها وكأننا ننعي السعادة ونودعها.

شهر رمضان ذو طعم مميز لدى الإنسان المسلم بأداء العبادة والنسك والقيام والتقرب إلى المولى عز شأنه وللعيد فرحة مكملة وميزةٌ مغايرة بإتمام شهر رمضان المبارك وتأدية العبادة بالشكل المطلوب وتسجيل الفرحة والاجتماع مع الأهل والجيران والأصحاب والأقارب.

وقبل عقدين من الزم تقريبا كانت هذه التقاليد ما تزال حية، خاصة تلك التي تمارس في أيام رمضان والأعياد، ولكن كل شيء تغير بعد عام 2003 فالزمان اختلف والنفوس تغيرت بسبب ما أصابها؛ حتى أصبح العيد يومًا عاديًا لا يحمل معنى الفرحة الحقيقية بيوم العيد. بينما كان العيد من أجمل أيامنا وأسعدها، فمع بزوغ شمس يوم العيد يصطحب الوالد ابناءه للصلاة، ومعايدة الأحبة والجيران، ومع عودتهم للمنزل يقف الأطفال صفًا واحدًا لأخد عيديتهم من والديهما أو الشيخين الكبار لتكتمل الفرحة والمتعة على وجوه الأسرة جميعُها.

وفي عهدنا الحالي المُسيء مع شيوع الفتن، وتقلُب الأحوال تفرق البعض من الناس عن بعضهم البعض لأسباب كثيرة ولعل كل عائلة لديها ما تقوله بهذا الصدد، فتبدل العيد القديم بالعيد الحديث، ولم يعد أحد يزور الآخر، فانعدمت تلك العادات الجميلة في زمن الطيبين. ولكن صاحب النفس الطيبة يرى الجمال في كل لحظة، ويتفقد الطيبين حوله من أهله وأصدقائه، وزملائه ورفاقه. وصاحب الفطنة يعاين الموقف من كل اتجاهاته، من الزوايا المشعة المحيطة به، ومن ثغرات الغدر التي قد تسمح للعابثين العبث في حياته.

ربما يكون الماضي أفضل من اليوم بحسب معاييرنا، وربما جمعتنا ذات يوم لحظات دافئة في عائلة جميلة، أو بين جمع من الأصدقاء، فزاد تلك اللحظات جمالا فوق الجمال، ولكن كل هذا بجماله وبهائه، لا يجعل الماضي قد مرّ بلا منغصات، ولا يجعل الحاضر خاليا من الخير والجمال، أو المستقبل كدرا مليئا بالهموم بلا مقدمات بل كل زمان له ما له وعليه ما عليه فيه من الخير ما يجعلنا نحمد المولى أن جعلنا فيه، وفيه من الشرور ما يجعلنا نستعيذ بالله هربا منه.

وهنا أقول كفانا استرجاعا للماضي، فما هو إلا جرعة مهدئة وليس علاجًا، دعونا نبتكر طرقًا لتعزيز التفاعل الاجتماعي بين أفراد الحي وبين أفراد الأسرة، وبين أفراد العائلة كإقامة الأنشطة والفعاليات التي تجمع أفراد الحي، دعونا نتمسك بالتجمعات العائلية، ولنصنع بأيدينا حاضرًا سعيدًا ولنوقن بأن أجمل الأيام يوم لم نعشه بعد..

مقالات متعلقة