بقلم| أحمد صبري (كاتب وصحفي عراقي)
وفقا لمصادر متطابقة كان بإمكان المبلغ المسروق "2.5 مليار دولار" من أموال العراقيين التي كانت مودعة لدى هيئة الضرائب بوزارة المالية قبل أن تمتد لنهبها أيادي اللصوص دفع رواتب لأكثر من نصف مليون موظف لمدة عام، أو بناء ألفي مدرسة وإنهاء أزمة الدوام الثلاثي في المدارس، أو شراء أكثر من مليون جرعة كيميائية لعلاج مرضى السرطان الذين يعانون اليوم من غياب العلاج وفقدان حياتهم بالمستشفيات، في حين يحتل العراق المرتبة 157 من أصل 180 دولة في مؤشر الفساد لعام 2021 التي تصدره مؤسسة الشفافية الدولية.
هذه الإحصائية التي تداولتها مراكز تعنى بالشفافية ومراقبة أوجه الصرف المستحصلة من عوائد النفط العراقي وضعت النظام السياسي برمته أمام مشهد يتعلق بمستقبل العراق والحفاظ على ثروته لوقف النهب المنظم من دون إجراءات رادعة لمنع التطاول والعبث بها.
وباتت سرقة العصر كما يطلق عليها جراء تداعياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية تتفاعل على أكثر من صعيد مقرونة بشكوك بعدم قدرة الطبقة السياسية من استرداد أموال المنهوبة، وما يعزز هذا الانطباع أن المتهم الرئيس في هذه القضية "نور جاسم" قبض عليه واعترف بجرمه وبعد أسبوع أطلق سراحه متعهدا بإعادة الأموال المسروقة إلى خزينة الدولة.
ولم يقتصر الأمر على هذا المنهج الجديد في ملاحقة سراق المال العام وإنما جرى التعتيم على الجهات التي وفرت الغطاء لاستباحة أموال العراق وإحالتهم للقضاء وكشف المتورطين معهم واسترداد الأموال.
فسرقة العصر أتاحت للسراق امتداد أيديهم للمال العام وبعد الكشف عنهم يطلق سراحهم مع تعهد بإعادة الأموال وفق معادلة جديدة (اسرق على كيفك مقابل التعهد بإعادة المسروق ومن ثم الهرب خارج الوطن).
وتذكرنا هذه المعادلة بصيغ النفط مقابل الغذاء والدواء خلال حصار العراق الظالم وهي عكس معادلة سرقة العصر، فإن النفط مقابل الغذاء والدواء وبطاقته التموينية منعت مجاعة العراقيين من أموال العراق المجمدة بتخصيص نحو ملياري دولار منها للعراق لتلبية احتياجات شعبه، في حين ان سرقة العصر امعنت بإفقار العراقيين وزادت من معدلات البطالة وتبديد ثرواتهم من دون أمل في استثمارها لسعادتهم كما كانوا يأملون رغم أن عوائد النفط بلغت عام 2022 /115 مليار دولار.
صحيح أن سرقة العصر أغرب سرقة في التاريخ إلا أنها تحولت إلى نكته هذا العصر بعد متوالية الكشف عن سرقات من قبل لصوص محترفين يستندون إلى مراكز قوى وفرت لهم الحماية وعدم الملاحقة القانونية بإجراءات غير رادعة لوقف مسلسل النهب المنظم لثروات العراقيين.
وبين المعادلتين يقف العراق مترنحًا وقلقًا وعينه على أمواله التي لم تسعده وتحل أزماته المستعصية لكنها ذهبت إلى جيوب اللصوص وحيتان الفساد من دون أمل باسترجاعها ليغدو العراق بلدا تتنازعه الأهواء وتتنافس على سرقة أمواله دولا وأفرادا استسهلوا استباحته منذ احتلاله وحتى الآن.