صناع القرار العراقي ..والأبعاد الإقليمية والدولية وانعكاساتها القانونية..
ثائرة أكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
مسلسل النكبات والكوارث المتكررة التي شهدها العراق في السنوات الأخيرة وطالت مزايا العراقيين وخصوصيتهم ودمرت بنى بلدهم على الرغم من الفرصة الكبيرة التي توفرت في التغيير وتطوير المجتمع وضخامة حجم الثروات التي أتيحت للنظام السياسي الجديد منذ 2003.
لكن هذه الثروات الهائلة لم توظف في بناء المجتمع العراقي بل وظفت في التركيز على طمس الهوية الوطنية وأتاحت الفرص للدين السياسي الثيوقراطي في التأثير على دور السلطات التشريعية والتنفيذية من خلال دورها المفترض في تطوير البلد والمجتمع لمواكبة التطور الحضاري للمجتمعات المتحضرة.
النزاع الذي حصل قبل فترة في البرلمان العراقي والمقايضة التي تقدم بها أعضاء المجلس ( قانون العفو مقابل الأحوال الشخصية)
ماهي إلا بدعة اخترعوها لمصالحهم الشخصية فعندما يكون إقرار القوانين في البلد وفق مبدأ المقايضة بين المذاهب والأديان فهذا يعني أننا نعيش في دولة مافيات وغابة وليس دولة قانون ونظام.
عزف العراقيون زمناً عن متابعة ما يجري في مجلس النواب العراقي ولم يعتادوا تتبعَ أخباره، إذ رأوه عاجزاً عن التماشي مع تطلعاتهم فضلاً عن تحقيقها. غيرَ أنّ أنظارهم تعلقت هذه الأيام بالنواب وبمجلسهم بعد اقتراح النواب الشيعة تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقية رقم 188 المقر سنة 1959 واقتراح النواب السنة تعديل قانون العفو العام رقم 27 المقر سنة 2016 إذ تحاول القوى الشيعية في المجلس تغيير مواد قانون الأحوال الشخصية تغييراً جوهرياً مؤثراً في حقوق الأسرة والمرأة والطفل بينما تسعى القوى السنية إلى تعديل قانون العفو العام ليشملَ عدداً من المعتقلين المُعتَقَد سجنهم ظلماً بتهمة الإرهاب. أحدثت نقاشات المجلسِ انقساماتٍ شعبية خارج المجلس ما بين أسرٍ تخشى تفككَها من تعديلات قانون الأحوال الشخصية، وأخرى تترقّب بأملٍ خروجَ أبنائها من السجن.
تعديل قانون الأحوال المدنية يكرس النزعة الطائفية التي قسمت العراقيين وأشعلت الحروب والانقسامات وباتت تشكل خطرا على وحدة المجتمع العراقي.
العجيب في بلاد الرافدين هو أن يتم تجاهل القوانين التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطن مثل لقمة عيشه وأمنه وسلامته، والتركيز على أفكار تعيدنا إلى الوراء بدلاً من أن تدفعنا نحو التقدم.
لا شك أنه في حال قبول مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية وخاصة تعديله للبنود المتعلقة بحقوق العنصر النسوي التي يكفلها القانون الدولي الخاص بمنعه زواج القاصرات ونقض حماية المرأة في حقوقها في الطلاق والميراث من شأنه القضاء على جميع اتفاقيات حظر التمييز ضد المرأة التي صادق عليها العراق عام 1986 وذلك بحرمان النساء والفتيات من حقوقهن بسبب الاختلاف البيولوجي. كما أن التعديل ينتهك اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها العراق عام 1994 من خلال تشريع زواج الأطفال وتعريض الفتيات لخطر الزواج القسري والمبكر.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا المشروع الذي يرمي إلى تعديل الأسس القانونية التي تنظم علاقة المواطن من حيث النسب والزواج، وما ينشأ عنه من حقوق وواجبات متبادلة ما قد يؤدي إلى اضمحلال حقوق المرأة قانونيا في الإرث ناهيك عن الخطورة الناتجة عن القبول بزواج القاصرات وهو ما يضرب عرض الحائط طبيعة المعادلة الطبيعية للمجتمع العراقي ووضع الأسرة فيه وينافي في نفس الوقت الاتفاقيات الدولية الهادفة لحماية وتطوير حقوق النساء والإناث التي صادقت عليها الدولة العراقية والتي تحظى بحماية الدستور. ما قد يثير موجة من الجدل والانتقادات الواسعة داخل الأوساط السياسية والشعبية في البلاد ويكرس النزعة الطائفية، التي قسمت العراقيين، على حساب الهوية الوطنية وأشعلت الحروب والانقسامات، التي باتت تشكل خطرا حقيقيا على وحدة المجتمع العراقي.
وفي الوقت الذي تعمل فيه الأحزاب الطائفية على توسيع الهوة بين المكونات العراقية من خلال طرحها لمشروع تغيير فقرات قانون الأحوال المدنية تعود الدعوات الطائفية الهادفة إلى إنشاء إقليم سني يتمتع بالحكم الذاتي إلى الظهور ويزداد انشغال السياسيين الكورد بتثبيت واقعهم الفيدرالي وتوسيع صلاحيته الانفصالية ردا على حالة التشظي الطائفي في خطوة قد تجر العراق إلى المزيد من الانقسام والتشرذم.
يبدو أن الخصوصية التاريخية التي يتمتع بها العراق بقوانينه المدنية التي سجلها التاريخ باتت تخيف سلطة الأوليغارشيات الطائفية وحكم الزعامات المتمثلة في الرغبة في ترسيخ الأيديولوجية المستوردة لبقائهم في السلطة والنفوذ على الرغم من حجم الصعوبات والعقبات التي يمثلها العراق بتاريخه وقوانينه التي يعرفها العالم المتحضر.
هؤلاء الفئة من اللصوص والفاسدين من أعطاهم الحق بالتعديل؟ وما هي الأسباب التي تقف وراء هذا التعديل؟ ولماذا تُركت القوانين الأخرى، التي هي مطالب جماهيرية بحتة وأكثر أهمية مثل قانون العفو العام، وقانون تعديل سلم الرواتب وقانون العنف الأسري على سبيل المثال؟ ألم تكن هذه القوانين أيضاً مطالب جماهيرية.
مشروع قانون الأحوال الشخصية خسارة كبيرة لوضع الأسرة العراقية من زواج وطلاق وإرث وحضانة ونفقة وطبيعة النسيج المجتمعي وما وقع وصادق عليه العراق من اتفاقيات دولية وقرارات لمجلس الأمن والهروب إلى الخلف من الخطر الاقتصادي والأمني .
تمرير هكذا تشريعات تضع الحكومة العراقية بإحراج بسبب ما وقعت عليه من اتفاقيات دولية ورفعت تحفظاته عن اتفاقية السيداو ووقعت البروتوكولين الإضافيين لحقوق الطفل وكذلك عملت بخطط وطنية على قرار مجلس الأمن ١٣٢٥ ووقعت على الاتفاقية للحماية من العنف الجنسي وأن تعديل القانون الأخير هو مخالف لدستور العراق لعام ٢٠٠٥ الذي ساوى بين المرأة والرجل وحافظ على الحقوق والحريات العامة .
تعديل قانون الأحوال الشخصية له تداعيات اقتصادية كبيرة تنعكس بشكل خاص على النساء. حيث يترتب على التعديل حرمان النساء من حقهن في الإرث مما يؤدي إلى فقدانهن للدعم الاقتصادي الضروري. هذا الوضع قد يدفع النساء إلى القبول بأقرب زوج كوسيلة لتأمين معيشتهن، بالإضافة إلى ذلك، يمنح التعديل الأب الحق الأكبر في الحضانة مما يحرم الأطفال من رعاية والدتهم، ويشكل استهدافاً واضحاً للنساء والأطفال على حد سواء.
هناك أيضا أسباب خفية في طرح مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، الذي استطاع سحب البساط من هيمنة المؤسسة الدينية في تنظيم قوانين الأحوال الشخصية والعمل على تحديث قوانين الدولة وفق مبدأ المواطنة يكمن في إرادة البعض العودة إلى الوراء لاحتكار قوانين الدولة وتجييرها لحسابات شخصية من خلال أسلمة الدولة وفرض مشروع الإسلام السياسي المذهبي على القوانين والتشريعات في عمل وإدارة المؤسسات وتحت ذريعة حق الأغلبية في الحكم لتكون الغاية في النهاية فرض هذه الإرادة على الدولة وقوانينها من خلال الرموز الدينية التي باتت تُميز العراق الجديد منذ أن أرست القوات الأمريكية ديموقراطيتها في هذا البلد.
بالإضافة إلى شرعنة زواج القاصرات، التعديل الذي يتيح قانونياً زواج القاصرات يمثل مشكلة جذرية. يشمل هذا التعديل السماح بالزواج للفتيات في أعمار صغيرة تصل إلى 7 سنوات وهو ما يعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الأطفال. من خلال منح الشرعية القانونية لزواج القاصرات، قد يساهم هذا التعديل في زيادة حالات الاستغلال والتعنيف للأطفال مما يشكل تهديداً كبيراً لسلامتهم ورفاههم.
تشكل التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي تهديداً جسيماً للأمن الاجتماعي والوحدة الوطنية. من خلال تعزيز الانقسامات الطائفية وإضفاء الشرعية على أنواع متعددة من الزواج التي تضر بحقوق النساء والأطفال، فإن هذه التعديلات قد تسهم في تفكيك المجتمع وزعزعة استقراره.
الكتل السياسية والتي حرصت أشد حرص على تعديل قانون الأحوال الشخصية لان أغلبها ذات طابع إسلامي، أي إن سياستها تندرج تحت مسمى الإسلام السياسي لذا تحاول كسب مودة الشارع من خلال فرض الشريعة على جمهورها، محاولة منها لكسب الود والتعاطف والانتماء تحت ظلها وانها تنطلق وتعمل وفق هذا المبدأ، لكسب التأييد لها في الانتخابات القادمة.
إن التصدي لهذه التعديلات يتطلب تضافر الجهود لضمان حماية حقوق الإنسان وتعزيز الوحدة الوطنية في العراق وهو خسارة كبيرة لوضع الأسرة العراقية من زواج وطلاق وإرث وحضانة ونفقة وطبيعة النسيج المجتمعي وما وقع وصادق عليه العراق من اتفاقيات دولية وقرارات لمجلس الأمن والهروب إلى الخلف من الخطر الاقتصادي والأمني .
صانع القرار العراقي وكأنهم خارج الزمن بل هم كذلك، حيث يتجاهلون المرحلة الحساسة التي تمر على البلاد والمنطقة والعالم، في وقت يتطلب الحال مراجعة كبيرة للقوانين القائمة ودفعها للأمام على سلم المعاصرة لا التراجع بها، وتستوجب اللحظة العالمية والإقليمية تحسس الخيارات وفحص ما يمكن التنازل عنه لصالح الدولة والمؤسسات والمصلحة الوطنية.