الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات عقوبة الإعدام بين العدالة والتعسف!

بقلم| د. جاسم الشمري

العدالة كلمة واسعة وشاملة لجميع معاني التوازن والمساواة في النظرة لجميع المواطنين، وهي تشمل كافة الحقوق المدنية والقانونية والإنسانية للمواطنين!

وتطبيق العدالة من أبسط وأهم وأولى واجبات الدولة تجاه الناس!

وأبرز صور العدالة المساواة عند الاحتكام إلى القضاء، وضمان المساواة خلال مراحل التحقيق، وأمام المحاكم!

والعدالة تقتضي منع جميع انتهاكات حقوق الإنسان، ومنع العنف وأعمال التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة، ومنع أي انتهاكات يرتكبها المسؤولون في الدولة!

وتحاول بعض الدول تطبيق القانون بطريقة تعسفية، وإنزال أشد العقوبات على بعض الطوائف من السكان في مراحل غير واضحة المعالم، ويشوبها الكثير من الغبش، وهذا ما حصل في العراق بعد العام 2003!

وعقوبة الإعدام في العراق صارت من العقوبات غير المنضبطة بقوة وبوضوح ضمن إطار القانون، ولهذا صرنا نسمع بحالات إعدام جماعية وفردية، ولأناس لا علاقة لهم بالإرهاب والتخريب، وقد اعتقلوا من الشوارع والمنازل واتهموا بالإرهاب وحكموا بالإعدام، وربما نفذ بهم الحكم!

ونحن لا نريد الخوض في أعداد الإعدامات في العراق بعد العام 2003، ولكننا سنركز على الضجة الأخيرة التي حدثت في شهر حزيران/ يونيو 2024.

حيث تداول ناشطون مدنيون وبعض المنظمات الحقوقية غير الرسمية قوائم بأسماء بعض الذين نفذت بحقهم عقوبة الإعدام، وسارعت الحكومة لتكذيب الخبر، ولكن الأخبار شبه المتواترة من الشارع تؤكد حصول عمليات إعدام وبصورة غير علنية!

وبهذا الخصوص قالت منظمة آفاد الدولية بأن" السلطات العراقية أقدمت على تنفيذ حملة إعدامات بالجملة بتاريخ يوم الأربعاء 19/6/ 2024، والذي يوافق رابع أيام عيد الأضحى. وبحسب المعطيات المتوفرة من عين المكان، يظهر جلياً من تدقيق القوائم أنّ المذكورين فيها هم من محافظاتٍ معينة، ومن مكوِّن طائفي واحد، هو المكوّن السنّي".

وفي اليوم التالي 20/06/2024 سارعت وزارة العدل العراقية، وفقا لآفاد، إلى" إصدار بيانٍ لا يُنفي حصول عمليات الإعدام، وإنما يشكك في صحة القوائم المنشورة لكونها تتضمن أسماءً وهمية، وأن نشر هذه الأخبار هدفه تضليل الرأي العام. وختمت الوزارة بيانها بالقول "تُشدد وزارة العدل على التزامها الكامل بأحكام الدستور والقانون بتطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان فيما يتعلّق بتنفيذ أحكام الإعدام"!

وتأكيدا للحالة السقيمة في إجراءات التحقيق وصولا لحكم الإعدام أصدرت أكثر من 16 منظمة حقوقية عراقية وأجنبية بيانا شديد اللهجة يوم 22/ حزيران/ يونيو.

ومن أبرز المنظمات الموقعة: منظمة افدي الدولية لحقوق الإنسان – بروكسيل- بلجيكا، ومنظمة سام للحقوق والحريات جنيف، وعدالة لحقوق الإنسان JHR (تركيا)، ومنظمة المحامون الدوليون، والمنظمة الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومحكمة بروكسيل، والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، ومركز جنيف الدولي للعدالة، وائتلاف المدافعون عن العدالة في العراق، ومنظمة العدالة والديمقراطية في العراق وغيرها.

وقد بينت المنظمات في بيانها أن المشهد الإنساني في العراق لا يبدو بخير مع استمرار تنفيذ أحكام الإعدام، مع منع الاستعانة بالمحامين للدفاع عنهم!

وطالبوا بوقف فوري لكل عمليات الإعدام، مع إتاحة الفرصة لمراجعة شفّافة لكل الأحكام الصادرة قبل تنفيذ أيّ حكم منها، وعلى " السلطات العراقية بكشفٍ شفاف وتفصيلي حول هذه الإعدامات".

وختموا بيانهم بالإعلان بأنهم سيتوجهون إلى الأجهزة الدولية المعنية، وإلى المقرّر الخاص المعنيّ بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفًا، وسلوك كل الإجراءات القانونية والحقوقية التي من شأنها وقف عمليات الإعدام التعسفية والانتقائية في العراق.

إن تنفيذ عقوبات الإعدام يفترض أن تكون عبر آليات دقيقة وقانونية لأننا نتحدث عن عقوبة لا يمكن تداركها لأنها عقوبة فاصلة بين الحياة والموت، والوجود والعدم، والعدالة والظلم، والبداية والنهاية.

مَن يُريد أن يطبق القانون عليه أن يُدرك أن تطبيق القانون ينبغي أن يكون بشكل عادل وبعيد عن التعسف، والظلم، وألا يكون القانون وسيلة لضرب بعض المواطنين بحجج محاربة الإرهاب وملاحقة المجرمين!

إن جميع العراقيين يرفضون الإرهاب، وهم مؤمنون أن الإرهاب هو أُس الخراب في بلادهم، ولكنهم في ذات الوقت متفقون على أن الظلم لا يبني الدولة، ولا يؤسس لبناء مجتمع آمن ومتين!

لنبني العراق بالعدالة والمساواة، ونهزم الإرهاب بالعدل، وإلا فإن الظلم هو القنبلة التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة، وحينها لا يمكن تدارك تداعيتها الطويلة والعريضة!

مقالات متعلقة