بقلم| د. يحيى السنبل
(عضو اللجنة العليا للميثاق)
يعتبر السابع من تشرين الأول 2023 تاريخاً مهما ومفصليا في تاريخ غزة وفلسطين والأمة والعالم أجمع؛ فهو اليوم الذي نفذت فيه كتائب القسام عملية طوفان الأقصى ولفتت أنظار العالم إلى فلسطين مرة أخرى بعد أن ظن الجميع أن هذه القضية سيطويها التسويف والنسيان
العملية البطولية والتاريخية التي حطمت الغطرسة والعنجهية الصهيونية ومرّغت إسرائيل بوحل هزيمة لم تعهدها من قبل وكشفت زيف العالم المنافق والدول الكبرى المدعية لحقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بها وبربيبتها الكيان الصهيونى فلا وجود لأي حقوق أو قيم أو إنسانية أو قوانين وأعراف وإنما تتعدى كل الخطوط لتمارس البطش بالمدنيين والأطفال والنساء وتستبيح المدارس والمشافي ولن يكون هناك أي ملجأ أمام عدوان وحشي غادر يعبر عن وحشية هذا الكيان الغاشم ومن يسانده
لقد كسرت عملية طوفان الأقصى حواجز ما يسمى القوة القاهرة للكيان الصهيونى ولن يغطي عار هزيمته كل ما يقوم به من همجية وفظائع بحق الأبرياء المدنيين وخاصة جريمته النكراء بقصف مستشفى المعمداني وقتل المئات من المرضى والجرحى أغلبهم من النساء والأطفال
إن عملية طوفان الأقصى ستكون لها ارتداداتها ليس على مستوى غزة وفلسطين فحسب بل على دول الشرق الأوسط بأكملها وستصل تأثيراتها للقضايا العالمية
فقد كشفت عملية طوفان الأقصى هشاشة المنظومة الأمنية الصهيونية وادعاءات السيطرة والتفوق على الرغم من كون العملية التي نفذها عناصر حماس تعتمد على أدوات محلية وبسيطة للغاية إلا أن الكيان الصهيوني قد تكبد خسائر وضحايا لم يتكبدها في كل معاركه مع الأطراف العربية، وإذا كانت طوفان الأقصى قد فاجئت العالم بأسره إلا أنها متوقعه ومتوقع أن تكون هناك عمليات أشد منها لكل مراقب للوضع الفلسطيني
فالفلسطينيون يستنزفون يوميا على يد قوات الاحتلال ولا يكاد يمضي يوم إلا ويقتل ما معدله خمسة أشخاص من الفلسطينيين دون النظر إلى العمر والجنس والمكان إضافةً إلى الاعتقالات التي تطال أبناءهم ورجالهم ونساءهم وعمليات المداهمة والتفتيش بلا أي ضوابط إضافة إلى فرض الحصار والتضييق وقطع الأرزاق بحجة أو بدون حجة لكل المدن والقطاعات السكنية الفلسطينية؛ لذلك فإن عملية طوفان الأقصى كانت متوقعة للثأر من حالة الظلم والاستهتار بالدم الفلسطيني، وفوق كل ذلك فطوال هذه السنة المنصرمة لم يمر أسبوع إلا وتشهد مدينة القدس قيام قطعان المستوطنين الصهاينة باقتحام المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين والمصليات تحت أنظار العالم الذي يدعي كذبا حرية الأديان وحقوق الإنسان
إن عملية طوفان الأقصى والرد الصهيوني بما يسمى حرب غزة لن تغادر أهميتها مطلقا مهما تكن النتائج وستكون تاريخاً مفصليا قد أعادت إلى الأذهان أهمية القضية الفلسطينية وضرورة حلها بشكل عادل ومنصف بما يؤمن حق الشعب الفلسطيني بحياة حرة وكريمة على أرضه بعيدا عن مبدأ التسلط وغمط الحقوق ومصادرة الحريات، أما محاولة لي الأذرع وكسر الإرادات فكل الاحتمالات ستكون مفتوحة لعمليات لا يمكن التكهن بها.
ومهما تؤول إليه الأوضاع فإن القوى الكبرى والإقليمية عبر مخابراتها وأجهزتها تحاول جاهدة الاستثمار في هذه القضية معتمدة على ارتباطاتها العالمية وما يمكن أن تؤمنه لها في ظل هذه الأوضاع الشائكة التي تعيشها المنطقة
وقد حولت معركة طوفان الأقصى الحرب الروسية - الأوكرانية إلى الرف في غرف الأخبار لأن حرب غزة ستكون ذات تأثير مهم على مجريات الحرب الروسية - الأوكرانية وستفقد أوكرانيا كثيرا من الدعم العسكري والمالي المقدم لها من قبل الإدارة الأمريكية والدول الغربية
كما أن المعارك بين طرفي القتال في السودان قد اختفت من على شاشات التلفاز بسبب الاهتمام الكبير بما يجرى في غزة بشكل صادم ومفاجئ
التمادي الصهيوني المدعوم من قبل أمريكا والغرب بعدم الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني قد أوصل الأمور إلى هذا التعقيد الذي حتى وإن وضعت المخططات والخرائط ومحاولات التغيير الديموغرافي في الدول المحيطة بالكيان الصهيونى وشن الحرب بتدمير دول عربية فاعلة بالمشهد السياسي في المنطقة ومحاولة كسر شوكة أمة كاملة من خلفها ملياري مسلم وإعطاء أوراق المنطقة لأعداء تأريخيين للعرب وتخلي الأنظمة العربية عن شرف مسؤولياتها تجاه فلسطين وقضايا الأمة الأخرى فإن تلك المخططات الخبيثة سوف تسقط على أيدي تلك الشعوب المقهورة وستضرب كل مصالح الأعداء الذين يحاولون طمس الحقائق وتزوير الوقائع بارتكاب الجرائم واجترار نوائب الماضي المريرة
فمنذ أن أعلنت القوى المحلية والعالمية عن انتهاء فترة اتفاقية سايكس - بيكو بحلول عام ٢٠١٦ استبقت الدول الكبرى هذا التاريخ من أجل الخلاص من القوى الوطنية والفاعلة وإسقاط أنظمتها وتهيئة الأرضية للوصول إلى هذا التاريخ لتنفيذ الخرائط الجديدة وقد بدأت هذه الجهود منذ وقت مبكر بإعلان ما يسمى ثورة خميني وإعلان دولة دينية شيعية ترفع شعارات تصدير الثورة باستهداف الدول العربية مما اضطرّ العراق في حينها لدخول حرب لثماني سنوات
كما وضعت الولايات المتحدة والقوى العالمية سيناريوهات لإسقاط أنظمة ترفع شعارات التحرر وقتال المحتلين وتم حل المنظومات العسكرية والأمنية النظامية كالجيش والشرطة في تلك البلدان واستبدالها بمليشيات على أسس مناطقية ومذهبية وعشائرية فجرى التخلص من أنظمة العراق وليبيا واليمن إضافة وإشعال نار الفوضى والحرب الأهلية في سوريا
وقد رافق خلال تلك الحروب تهجير الملايين من مكون واحد وهم العرب السنة من العراق وسوريا واليمن في دلالة واضحة بان المشروع القادم لا يمكن أن ينفذ إلا بإجراء التغيير الديموغرافي لتلك الدول المحيطة بالكيان الصهيونى؛ لكن ما تسبب بتأخير تنفيذ المخطط الجديد على أنقاض سايكس بيكو هو صعود القطب الروسي من جديد ودخوله على خط الأزمة السورية
ومما هو جدير بالإشارة إلى أن الاتحاد السوفيتي ومركزه روسيا بعد الحرب العالمية الثانية قد حاز على العراق وسوريا كمنطقتي نفوذ له ووقع معهما في السبعينات اتفاقيات استراتيجية عديدة من بينها اتفاقية الدفاع المشترك وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩٠ عادت روسيا لتشكل ثقلا سياسيا عالميا جديدا وتعود إلى المنطقة بتفعيل اتفاقياتها السابقة وخاصة مع سوريا
وبنظرة إلى ايران التي تحولت من أداة بيد أمريكا لتنفيذ مخططاتها على حساب الأقطار العربية فقد كشفت عن مشروعها القومي المغلف بالطائفية المذهبية الخاص بها مما أثار حفيظة العرب الذين يعتبرون ايران العدو التاريخيّ لهم مما أفقد الدول العربية وخاصة الخليجية الثقة بالسياسة الأمريكية المخادعة
ومع قيام إيران بالتحالف مع أمريكا في العراق وتحالفت مع روسيا في سوريا ثم تطور الحلف الروسي الإيراني إلى تحالف استراتيجي يهدد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، كما أن تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية بموجب توجيه أمريكي وغربي ومشاركتها بحرب تدمير العراق وتسليمه لإيران ودخول إيران كحليف لحركة حماس في غزة غضافةً إلى تبنيها لكتائب حزب الله في لبنان وتحالفها مع الحوثي في اليمن كل ذلك جعل إيران تملك أوراق المنطقة للتفاوض مع القوى العالمية لتحقيق مصالحها على حساب مصالح شعوب المنطقة
ووجود الصين وروسيا كقطبين عالميين على توافق بينهما ولهما تحالفاتها مع كوريا الشمالية وإيران ومنافس للولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت كل ما بوسعها لجر إيران في عدم الانضمام للتحالف الروسي الصيني وانكفاء أمريكا التي كانت قد وضعت في حساباتها. السابقة أنها كقطب أوحد وشنت حربي تدمير أفغانستان والعراق قد أضحت الآن أمام منافسين أقوياء لهم مصالحهم الاستراتيجية في الشرق الأوسط؛ مما قد يضع عراقيل كبرى أمام تنفيذ المخططات الأمريكية والغربية دون مراعاة مصالح شعوب المنطقة ومصالح الدول الكبرى التي سارعت بتوقيع اتفاقيات استراتيجية مثل الاتفاق الروسي - السعودي والاتفاق الصيني - السعودي إضافة إلى القواعد الروسية في سوريا وانحياز النظام العراقي الجديد على أسس دينية وتبعيته المطلقة لإيران وتحالفاتها مما يجعل الإدارة الأمريكية في حالة تخبط وضياع مستغلة اليوم ما قامت به المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل واستقدامها لبوارجها الحربية ومناشدتها دول الغرب للتحالف معها وكأنها في حرب عالمية متناسية أن العالم قد تغير وأن أمريكا قد غادرت قطبيتها الوحيدة وأنها تسعى لتثبيت إسرائيل على حساب الأرض والحق الفلسطيني وأن ما تحلم به أمريكا من تغييرات سوف تستثمره الأقطاب الأخرى والدول الإقليمية من خلال تحالفات ومصالح ترتبط فيما بينهما على غرار التغيير الكبير الذي قامت به أمريكا في العراق وارتباطه بشكل استراتيجي مع إيران ومد خطوط تحالفه عبرها مع روسيا والصين وإن العلاقة مع أمريكا تمر عبر الموافقات والمصالح الإيرانية
لقد أفرجت الولايات المتحدة الأمريكية عن بعض طروحاتها بإجراء تغييرات في المنطقة تحاكي إقامة ما يسمى مناطق حرة على أساس ديني مثل منطقة للدروز جنوب سوريا ومنطقة خاصة بالمسيحيين في سهل نينوى واستمالة العرب السنة التي كانت الطرف الأكبر في إبادتهم بمنطقة حرة على غرار منطقتي الدروز والمسيحيين وبما يجعل المنطقة برمتها بحالة مقلقة بعيدا عن الأمن والاستقرار متناسية الوجود الروسي والمشروع الإيراني إضافة إلى بروز المشروع التركي والتحركات الصينية الناعمة لاختراق المنطقة وإيجاد موطئ قدم فيها
ومن يريد وضع مخططات جديدة للمنطقة عليه أن لا يكرر أخطاء سايكس - بيكو التي قسمت المنطقة على أسس قومية ومنعت القومية الكردية من إقامة دولتها مما توجب على الشعب الكردي أن يخوض نضاله للاستحصال على حقوقه ومازال الكرد يناضلون من أجل دولة مستقلة على أراضيهم؛ لذا فإن إقامة ما يسمى المناطق الحرة على أسس دينية سيعزز التطرف وخطاب الكراهية وستسعى قوى متطرفة للسيطرة على القرار في تلك المناطق ولا يمكن أن يكون حلا بل سيفتح الأبواب على فوضى وحروب ما يسمى الهويات الفرعية إن لم يكن هذا الحل مؤقتا ومنضبطا وجعلها منطلقا لتطهير المنطقة من المليشيات ومنظمات الإرهاب والمشاريع المعادية
ويجب على الإدارة الأمريكية وحلفائها الاعتراف بالأخطاء المدمرة وتسليمها زمام الأمور لأحزاب دينية تمارس تعمل لصالح قوى خارجية ومراعاة حق الشعوب بخياراتها السياسية والاقتصادية ورعاية المصالح الإقليمية والدولية ذات النفع المشترك وليس على حساب مصالح أصحاب الأرض من أجل إعادة صياغة المنطقة بما يضمن إقامة السلم والأمن المحلي والإقليمي والدولي
إن ما بعد عملية طوفان الأقصى ليس كما قبلها وإن العالم يتوجه بأنظاره صوب فلسطين وغزة وهنا يكون القول الفصل، لما سيتم وضعه من خرائط وما سيسفر من تنافس بين قوى عالمية وإقليمية كل يسعى لإيجاد قواعد لمصالحه مع شعوب المنطقة.