الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات قصة وطن أعزه الله .. وأذله البشر ثائرة أكرم العكيدي

قصة وطن أعزه الله .. وأذله البشر

ثائرة أكرم العكيدي

كاتبة وباحثة

بعد عشرين عاماً من غزو العراق واحتلاله أتذكر ذلك اليوم المشؤوم جيدا، لم أستطع التوقف عن البكاء والحسرة .. يوم كُسرت فيه الكرامة وضاع فيه الوطن والمواطن الفقير.

ذكرى جرح بغداد أشد عمقا وألما من أن اختصره في مقالة واحدة، لأنه وجعي الأكبر، فيه استشهد أخي سندي وأغلى ما أملك في هذه الحياة، كنت أسأل نفسي دائما لماذا وطني لماذا أخي لماذا أنا لماذا ذلك العجوز العراقي البسيط الطيب الذي يجلس في مقهى قديم في حي شعبي يشرب استكان الشاي مع بعض الأصدقاء، ويستمع للقبنجي وناظم الغزالي ولا يأبه للأخبار؛ لأنه يريد أن ينسى ما حل بعمره من دمار .. لماذا تلك الأم التي فُجعت بابنها في حرب إيران والآخر في حرب الكويت؛ ليبقى واحد خبأته في غرفة داخل منزلها وقفلت عليه وهي من تعمل وتسعى وتكد كي تقوم بإعالته، فحتى بعد أن أصبح شابا لا تسمح له بالخروج من البيت لتعود يوما وترى أن قوات الاحتلال قد قصفت بيتها القريب من إحدى مؤسسات الدولة لتفجع بولدها الثالث والأخير.. لماذا تترمل الجميلات ويتوشحن بالسواد وهن في عز الصبى، لماذا تموت الطفولة البريئة وتحرم ورود البيوت من اللعب في البساتين والمتنزهات، لماذا مقابر العراق فاتحة أفواهها باستمرار وهي عاشقة لشباب العراق الأحرار، لماذا وألف لماذا ما يكون هذا القدر الذي يجرم في حق أكرم شيء خلقه الله في الإنسان ألا وهو القلب والمشاعر وما يحيط بهما من هالة مقدسة

كيف لا وإذا سقط صرح الأحاسيس سقط الإنسان برمّته وسقطت معه القيمة وسقط المبدأ واندثر الخُلق لتعم الفوضى ويعمّ خراب النفوس وتخرب الأرض.

اعذروا كلماتي القاسية والمقوسة والتي انحرفت عن طريقها وزمانها لأن عجائب سقوط بغداد أخرجت الكلمات عن معانيها وعن مواضعها وتحولت المعاني العميقة إلى معان سطحية وفقدت جديتها وأصبحت جزءا من مرحلة الهزل الطويل الذي نعيشه، الهزل والمسخرة السياسية التي طال أمدها في عالم العرب وتحولنا فيها إلى دمى من شتى القياسات والألوان والأدوار وتحول فيها المهرجون إلى مصدري قرارات و وتحول حفاة وعراة الأمس إلى مراكز السيادة واليخوت واللوحات الفنية والذهب والعروش المطرزة بالشهوات والرذيلة بكل مسمياتها، طال الزمان كثيرا في صمته إلى الحد الذي تحولت فيه الأوطان إلى بسطات موز وخرداوات تباع بالمزاد السياسي بالجملة أو المُفَرَّق، هذا ما حصل لنا جميعا بعد سقوط بغداد وبكاء أحرار العراق .

سقط العراق وتمكنوا من جسده وفقد الوعاء الوطني الوقائي الجامع الذي لو كان موجودا وعادلا لما جرى ما جرى وما تكاثرت الطفيليات والأبواق والمنشقين على جسده، لا يزال العراق منهارا وفاشلا ومحطما لأن كل الذين حضروا بعد الاغتصاب جاؤوا من لولب تفكيك الهوية وصناعة ألف واحدة داخل البلد الواحد لأن هذه هي مهمتهم التي جيء بهم لأجلها،

عشرون سنة مضت وكل ثروات العراق وسكانه وعباقرته ونخبه وكل الفيض المالي الذي يتدفق من الآبار بالمليارات ووجود انتخابات وديموقراطيات وحراسات لم تشفع في استقرار أو هدوء أو الحصول على الحد الأدنى من الاحتياجات المدنية التقليدية التي تشعر المواطن بالحد الأدنى من الكرامة والأمان اللذين ذهبــا ولن يعودا؛ لأن سؤال الهوية غائب مغيب وبمعية غيابه يتكاثر اللصوص وحرامية التاريخ والأوطان، درس العراق يعلمنا أشياء زاخرة في خرائط الفسيفساء الجديدة التي تزين قصور التجار

أولها أن كرامة الأمة لا تستورد من الخارج، وكرامة الأمة لا تصنع بوجود المليارات من الدولارات بين يديها، وكرامة الأمة لا تستحضر بتركيبة كيميائية من الديموقراطية الغربية والشرقية، كرامة الأمة تستوي وتحضر عندما تقيم العدالة فيها ويكون سؤال الهوية واضح المعالم وعادلا بما فيه الكفاية.

بعد السقوط برزت هوية السفاحين واللصوص والعملاء وهواة الموت والقتل وقطع الرؤوس واختطاف الآخرين، منذ الخليقة كان الإنسان هو أكرم الكائنات وكان الوطن هويته والأرض هي من توفر له جميع مستلزماته واليوم وعند عوالم العرب تتشكل المنطقة لتكون وعاء الموت والإبادة الماحقة في سبيل البحث عن الهوية وفي سبيل البحث عن الانتماء، من أنا ولمن أنتمي ولمن هذه الغنائم ولمن هــذه الأرض ومن عليها.

أما سياسيو الصدفة من الذين امتطوا الدبابة الأمريكية حال وصولها بغداد فهم ليسوا سوى مهرجين استثمروا الفراغ السياسي ليكونوا ناطقين باسم (المهمشين من سدة الحكم) ورافعي راية التوافقية؛ ليغتنموا مناصب رفيعة وامتيازات شتى، وهم كانوا حتى الأمس القريب بعثيين فاشلين غير مرغوب بهم من نظام البعث.

لقد جعل المصفقون والمتملقون والرقاصون والشعارة المداحون والمتملقون من مساحي الأكتف والأرجل هذه القرود أصبحت أسود في غابة العراق. ولولا الدبابات الأمريكية التي دكت تمثال النظام السابق في ساحة الفردوس لاستمر بقاؤهم بائسين في المهاجر والمنافي يغسلون الصحون ويبيعون المسابح ويهذون بأضغاث الأحلام ويهذرون بسفاسف الكلام .

هؤلاء هم عملاء لأمريكا وإيران حيث تعاونوا على تأسيس الميليشيات وأشاعت الفوضى والخراب والقتل والفكر الطائفي ومزقوا المجتمع ونشروا المخدرات والجهل والأمية في العراق وقتلوا الكفاءات وأساتذة الجامعات وغير ذلك الكثير من الكوارث حتى غدا العراقي كأنه في ساحة حرب وهو يواجه الجبهات تلو الجبهات؛ جبهة الأحزاب الدينية، وجبهة السيطرات والازدحامات، جبهة الحمايات والتجاوزات، جبهة الدواعش والقتلة، جبهة الميليشيات والمسلحين، جبهة الحرامية والسراق، جبهة عصابات الخطف والسلب، جبهة التفخيخات والتفجيرات والأغتيالات، جبهة الساسة الطائفين المتناحرين، جبهة النازحين والمهجرين والعشوائيين، جبهة البطالة والعطالة والعوز ، جبهة سوء الخدمات وانقطاع الكهرباء، جبهة الفراغ والدوامة والمستقبل المجهول .

عندما تباع وتشترى الذمم؛ ترى الأحداث يدونها قلم مأجور، والأكذوبة يصبح لها وجه ويد، والضمير يصاب بآفة الطاعون، والإنسانية تحط رحالها في ثلاجة الموتى، والأخلاق تسقط في واد سحيق مرعب، يصبح السياسي مستبد شيطاني يلبس نظارة سوداء موشحة بِالأحمر ملوثة بِالموت والدم والمثقف ضرير البصيرة وفاقد الرؤى وأجوف المعنى، عندما تباع وتشترى الذمم..

يتوارث ويتفشى الارتزاق وتهون الأوطان، تموت الحقوق وتنزف اللامبالاة فوق أرصفة الصمت

ويبرز الإجرام كمنقذ للإنسانية.

أكثر ما يؤلمني في وطني وفيك يا بغداد هو أني أصبحت صامتة، لا أستطيع أن أحاجج فيك من يرى جفاف حبرك.. أكثر ما يؤلمني أني أرى فيك ما يرى الوليد في أمه. يحبها مهما كان شكلها أو بؤس حالها، وإذا ما شاخ وجهها سيحبها أكثر، لأنه سيخاف عليها أن تموت..

السؤال الذي يراود تفكيري بصورة مستمرة ويلح في طلب الإجابة: لماذا يبقي العرب من أنفسهم رهينة للإملاءات الأمريكية ويقترفون هذه الخطايا والكبائر التاريخية التي لا تغتفر ماذا أورثنا الحلم الأمريكي سوى الفقر والمرض والفساد والهوان والاحتراب مع الذات وصناعة الفرقة وغياب الهوية، ماذا أورثنا غير مرتزقة وعملاء سلطهم على الشعوب كأدوات يحكم بهم وينهب خيراتنا ..

متى تستيقظ الشعوب العربية من غيبوبة المحتل متى تشفى من إدمانها للعبودية...؟!.

مقالات متعلقة