فضاءات| صحيفة الميثاق
حانة الليل
الشاعر اليمني أحمد الصيعري
أرى الكلمات خاليةَ القصيدِ
كقتلى في الحروب ، بلا شهيدِ
كأنَّ أصابعي منقارُ طيرٍ
تلَهَّى بالطعام عن النشيدِ
أتيه كأنني أفكار غيمٍ
غزاه الشك في حق الورودِ
ولا قيدٌ على كفّيَّ ، لكن
على قلبي بلادٌ مِن قيودِ
كُدُبٍّ أبترِ الكفينِ يرنو
إلى الأسماك من فوق الجليدِ
لمن وجهي ؟ ، أطل على المرايا
وبي لَبسٌ من الخلق الجديدِ
أفتشُ قبلَ (كُنْ) عن سرِّ كُنْ-هي
وعن فرق القتيل مِنَ الوليدِ
ولم أرَ في الضلالةِ مثلَ عينٍ
تفتش في الوجود عن الوجودِ
خلاصِيَ فِتيَةٌ ناموا بكهفٍ
فمايدرون ما زَمَنُ الوَقودِ
وقال المحدثون وقد أشادوا
صروحَ الخوف من عَودٍ حَميدِ
نُفَجِّرُ كهفَهم كي لا يعودوا
ونفني الشمسَ في فلَكٍ بعيدِ
لـ(داروِنَ) مايشاء ، وبيتُ شعرٍ
سيكفي كي نَجِلَّ عن القرودِ
ومن كانوا عبيد الله صاروا
وإنْ جحدوا عبيدًا للعبيدِ
عيوني حانةٌ لليلِ ، ملأى
بما يهوى من الخمر العتيدِ
يجئ كعاشقٍ قلقٍ وحيدٍ
فيشكو العشقَ ، للقَلِقِ الوحيدِ
ويسهرُ فوق كُرسيِّ المآسي
وأمنحه كؤوساً من قصيدي
وأنجُمُهُ حِسانٌ راقصاتٌ
على نغَمِ القوافي رقصَ غِيدِ
حللتَ بموردٍ ياليلُ عذبٍ
كريمِ الماءِ مكتظِّ الوفودِ
كلانا ياصديق شريدُ حتفٍ
شبيهان اختلفنا في الوجودِ
شردتَ من النهار وجِئتَ عيني
فأمسينا شريدًا في شريدِ
إلى اليمن التعيس حملتُ قلبي
على ذكرى من اليمن السعيدِ
وتاريخي تواتر عبر حزني
بإسناد الفقيدِ إلى الفقيدِ
فيا صنعاء مابالي قريبٌ
وأرنو حين أرنو كالبعيدِ !
مللت من الجراح مكرراتٍ
فهل ألقاكِ في جُرحٍ فريدِ !
ويا جار المُكلّا كيف أضحتْ
وقد أمستْ مُقطَّعةَ الوريدِ
وهل في حضرموت كما عهدنا
رفيفُ النحل في السدر النضيدِ
سلامٌ أيها الخور المُسَجَّى
على صدرِ المدينة كالوليدِ
أ تذكُرنا على جنبيكَ نمشي
بلا حرسٍ عليكَ ولا جنُودِ ؟
لياليَ أنتشي والصحب حولي
برغم الجوع في أمَلٍ مَديدِ
ونصطاد العذارى كائداتٍ
يخبئنَ الهوى خلفَ الجحودِ
رِقاقٌ في تغنُّجِهِنَّ لكن
قُساةٌ في التمنع والصدودِ
يجرِّحنَ القلوبَ وما سلاحٌ
سوى دَلَعِ المباسِمِ والخدودِ
خُلِقْنَ من الشَّذا ورَهَفْنَ حتى
حسبتُ الوردَ ينبتُ في الجلودِ
لياليَ أمسكُ الدنيا وحولي
كرومُ قصائدٍ وكرومُ غيدِ
كأنكِ يابلادُ خيالُ أنثى
يمُرُّ كجنَّةٍ في عقلِ بِيدِ
أطوِّقُ منكِ نهدًا بعد خصرٍ
وأرشُفُ منكِ ثَغرًا بعدَ جِيدِ
سلامٌ يا أبي أيام نمشي
على جنبَيهِ في أمنٍ رغيدِ
وقُلتَ ليَ اتخذ في كُلَّ أرضٍ
صديقاً لا يخونك في عهودِ
فماتدري لعلَّ ثَمودَ تحيا
فتعقرُ ناقةَ العِزِّ المجيدِ
فإن عادت بصيحتها سماءٌ
فلن يُنجيكَ حِصنُكَ في ثمودِ
فيا أرضي وما يُجدي نشيدٌ
إذا لم نحمِ أبناء النشيدِ
وماتُجدي القصائد في شهيدٍ
إذا لم نوفها ثأرَ الشهيدِ
حِبالُ الشِعر في المعنى ولكن
حبال المجدِ في السيف الجَرِيدِ
وما مجدُ الحروف سوى هروبٍ
لمن لم يملكوا مجدَ الحديد