بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
ترسيخ مفاهيم الوحدة الوطنية وإرساء قيم التعايش والتسامح ليس بالمسألة السهلة في زمن تهب فيه رياح البغضاء والتي اكتسحت بلادنا من الشمال والجنوب لذلك فإن الوقوف ضد الط ـائف ية في هذه اللحظة يعادل مئات المواقف السابقة واللاحقة ضد الطـ ائف ية، فالرياح العاتية تحتاج إلى وقفة أكثر صلابة مع الذات.
لم يسجل في يوم من الأيام أن يكون هناك شخوصا فعلا ممن أوقفوا بتهمة إثارة النعرات الط ائف ية ممن يكتبون تعليق أو ينزلون تغريدة والتي تحث على الفتن والط ائفي ة بين جميع الطوائف والمذاهب التي تقطن الوطن أو حتى بين أتباع الديانات السماوية في العراق وبالتالي كل ما كتب ممن لوحقوا بتهمة إثارة النعرات لا يتعدى كونه نقدا إعلاميا أو سياسيا، والنقد لا يمكن تجريمه بل هو حرية تعبير وعلى الفرض الساقط لو كان هناك إمكانية تجريم هذا الفعل، فهي تكيف بتهمة أخرى ولا تجرم بتهمة إثارة النعرات فهي كما توصف في الوسط القانوني تهمة من لا تهمة له. لكن عندما يكون هناك فيديوهات وبثوث مباشرة داخل المراقد والجوامع. لشباب يقومون بسب وشتم الصحابة والأئمة فهذا أمر يجب أن يحاسب عليه وبشدة ليكونوا عبرة لمن يعتبر، هذا ما حدث من بعض الشباب المستهترين في جامع ابي حنيفة النعمان، وهؤلاء لا يمكن أن يحسبوا الشباب العراقي الوطني الواعي.
النعرات الط ائفي ة موجودة غالبا في أماكن وأزمنة مختلفة لكنها أصبحت مؤرقة ومتفاقمة والفئة الضالة التي وراءها معروفة؛ لإيجاد الفتن وانقسام الناس لفئات متناحرة ولذلك ترى بعضهم أول سؤال يسأله : (أنت من وين سني لو شيعي)!
ويتناسى هذا الشخص أننا عراقيون أبناء هذا البلد الذي قاوم وقاتل الأعداء والمحتلين امتزجت دماؤنا بقومياتنا ومذاهبنا وأدياننا في أرض الوطن ويأتيك المبغض للعراق وأهله متجاهلا كل قوانين الأرض ليفرق هذا الشعب .
يجب أن يعلوا صوت العقل الملتزم بضوابط دينية وأخلاقية وإنسانية على ردات الفعل والغرائز الخاطئة، وأن يكون رفضنا للجرائم منوطا بها لا بمن يقوم بها أو تقع عليه، كما يفعل الغرب بتعريفه للإره/اب وملحقاته. الاستمرار في صب الزيت على نار الطائف/ية المتقدة سيأكل الأخضر واليابس أو ما تبقى منهما وسيلقي بغبار كثيف يخلط بين المجرم السفاح وضحاياه ولتتحول الجرائم ضد الإنسانية إلى حرب أهلية وطائف/ية غير أن الحكمة تحتاج إلى قوة تحميها وتصونها، وبالتالي فإن حرب الطائفيين وصدهم هي مواجهة عملية للطائف/ية تشبه الجراحة، غير أن الجراح يقوم بعلميته لينقذ المريض لا لينتقم منه وبالتالي علينا دائما أن نتجنب سلوكيات ومنطق القتلة والمجرمين وإلا فإننا نخسر معركتنا الأخلاقية ونصبح لا قدر "إذا مثلهم"
لن يستطيع مكون إلغاء الآخر ولن نستطيع تجاوز حقائق الجغرافيا وإن كانت هناك محاولات خارجية محمومة باستخدام عدة طرق منها لعبة دا/ع/ش لتغيير الديموغرافيا والجغرافيا في المنطقة على حساب العرب السنة من خلال تهجير تقوم به إيران وأدواتها ضمن تواطؤ أمريكي غربي واضح وفاضح. وبالرغم مما سبق إلا أن نار الطائ/في/ة وإشعالها لن ينجح بمواجهة هذه الجرائم أو يوقفها بل على العكس تماما سيصب الزيت على نارها ويؤجج من إوارها ويجعل التقسيم والتهجير وهو جريمة كبرى، يبدو كحل لمعضلة الاقتتال وسبيلا لوقف حروب مشتعلة تأكل الأخضر واليابس وتدمر أجيالا وتحطم مستقبلها وتشوه إنسانيتها.
لا تمثل الطائ/ف/ة الشيعية قوة متجانسة. إذ تتنافس الجماعات المختلفة ضمن الطائ/ف/ة مع بعضها البعض على السلطة. كانت قاعدة دعم الأحزاب الشيعية العائدة من المنفى، مثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة، محدودة في العراق، الأمر الذي دفعها إلى استغلال الطائ/في/ة ومخاوفها لخلق جمهور ناخبين وحاضنة اجتماعية جديدة.
وبعد مرور أكثر من عشرين سنة على دخول المحتل وسقوط النظام لايزال العنف والتوتّر بين السنة والشيعة والأكراد يهدد استقرار العراق وديمقراطيته الهشة. فقد فشلت النخبة السياسية العراقية في تطوير نظام للحكم شامل للجميع، وتعززت الانقسامات الداخلية بسبب تداعيات بما يسمونه التحرير عند دخول المحتل كما أن الانتفاضة السنية ضد النظام السوري وتعزيز الط/ائف/ية العابرة للحدود الوطنية. وللحيلولة دون حدوث المزيد من التشرذم أو ظهور نظام استبدادي جديد، يحتاج العراق إلى ميثاق سياسي يقوم على المواطنين الأفراد أكثر منه على الهويات الطائ/ف/ية.
ركزت مقاربة بناء الأمة في العراق على إيجاد ممثلين طائف/يين أكثر من تركيزها على التغلب على الانقسامات الطائف/ية.
التي أصبحت مستحكمة في القواعد والممارسات الخاصة بالعملية السياسية. إذ يهيمن الشيعة على جهاز الدولة، في حين أصبحت المؤسسات إقطاعيات للأحزاب المتصارعة التي تتنافس على السلطة والموارد والمنزلة.
نوري المالكي الذي حكم لدورتين استطاع وبكل ما جاء به من حقد على السنة ان يزرع الكره والاحتراب بين العراقيين. حتى بعد تعزيز سلطته.
يواصل المالكي من خلال إطاره وبعض زعماء السنة في التركيز على تعبئة حاضنتهم الاجتماعية بدلاً من سد الفجوة. وأصبحت سياسات الهوية والاختلاف والتناحر محط الاهتمام وفي مركز الصدارة، بينما يزداد الانقسام بين السنة والشيعة عمقاً. الآثار المترتبة على مستقبل العراق ومعالجة مشاعر الاغتراب والنفور لدى السنة أمر بالغ الأهمية. ولكي يتم بناء الشرعية والاستقرار، تحتاج الدولة التي يهيمن عليها الشيعة إلى إطلاق خطة جادة للمصالحة.
يتضح مما سبق أن الطائ/في/ة السياسية تعبر عن سلوك سياسي مقصود يستغل اختلافات النسيج الاجتماعي، إذ تعد هذه الاختلافات بمثابة البيئة المؤاتية لها ويعمل السلوك الطائ/في على تسييس الانتماءات الأولية سواء لعوامل دينية أو ثقافية أو مذهبية أو قبلية وعشائرية فى المجال السياسي، ويحولها إلى ولاءات سياسية بما يتنافى مع جوهر مفهوم المواطنة فى دولة القانون والعدل. إذن تاريخيا يعبر نشوء ظاهرة الطائ/ف/ية السياسية كما صنع تقسيم الوطن العربي على حالة مصطنعة غير متأصلة وذلك بفعل عوامل خارجية وداخلية.
كما يعد العنف أقدم وأخطر داء منيت به شعوبنا على اختلاف دوراتها الحضارية. ومع التغييرات التي اجتاحت النظم السياسية بفعل اتساع حركة الاحتجاجات الشعبية فيها، برزت حالة من إعادة الفرز المجتمعي والسياسي وفق أسس الانتماء الطائ/في والقومي والديني. والواقع أن خطورة هذه الظاهرة قد انسحبت إلى قطاعات عديدة ولاسيما المجتمع المدني لتعاني هي الأخرى من حالة الاستقطاب بصورة أو بأخرى.
ولابد من معالجة الخلل في النظام السياسي. يمكن استبدال النظام الانتخابي الحالي، الذي يميل لصالح المنافسة في الدوائر الانتخابية الكبيرة، بآخر يقوم على الدوائر الصغيرة. كما أن ثمّة حاجة إلى إجراء تعديلات كبيرة على الدستور، وإصدار قوانين جديدة للأحزاب السياسية وإدارة الموارد، وتوزيع السلطة على أساس الجغرافيا وليس على أساس الهويات الطائ/ف/ية والعرقية. من غير المرجح أن يتم إنجاز التحوّل السياسي الذي يحتاجه العراق في المدى القريب. لم يقم خصوم الاطار. بصياغة رؤية واضحة للمستقبل، وليس هناك وسيط دولي قوي يدفع باتجاه التغيير. وإذا ما بقيت هذه الأحزاب في السلطة ستزداد الانقسامات عمقاً فيما يرجح أن تترسخ السلطوية القائمة على الاقتصاد الريعي وسياسة الإقصاء أكثر.
في العام 2003 وبعد دخول الاحتلال وقيام المقاومة العراقية في اوج نشاطها أعاقت التوترات الطائ/في/ة عمليات استكمال المقاومة والقضاء على الاحتلال. حتى الحكومات العراقية المتعاقبة لم تقم بأي محاولة واضحة للتغلب على هذه الانقسامات وبناء هوية وطنية مشتركة. بل إن العديد من الإجراءات التي اتّخذت حتى الآن لم تؤدي إلا إلى مزيد من تفتيت الدولة. تاريخيا كانت الخلافات حول القضايا السياسية واللاهوتية والعقائدية هي السبب في الانقسام بين السنة والشيعة، بيد أن التنافس على السلطة والموارد والمكانة هو الدافع وراء مظاهرها وتجلياتها الحديثة. وشيئاً فشيئاً، هيمنت فكرة التمثيل الطائ/ف/ي على العلاقات السياسية بدلاً من تمثيل المواطنين، الأمر الذي أدّى إلى تفاقم الانقسامات القائمة بدل تخفيفها. لم تقم الحكومة العراقية بأي محاولة واضحة للتغلب على هذه الانقسامات وبناء هوية وطنية مشتركة.
مما أدى إلى نشوب صراعات حول مكانة وحجم وحدود وقوة كل ط/ائ/فة. وقد كان لهذه الصراعات أثر مزعزع للاستقرار، خاصة عندما كانت تضفي مشروعية على أعمال الجماعات التي تمارس العنف والتي تدعي تمثيل طوائ/ف/ها. كما فاقم اعتماد العراق على النفط كمصدر رئيس للدخل هذه الصراعات بسبب عدم وجود صيغة صريحة وواضحة لإدارة الموارد. وهو نوع من الاستقطاب الشامل الناجم عن تزايد سلطوية وخاصة في زمن حكم نوري المالكي. فقد تمكن من تعزيز سلطته، وتهميش البرلمان والمؤسسات المستقلة، والسيطرة على الأجهزة العسكرية والأمنية، وإخضاع القضاء، وتوسيع دائرة دعمه السياسي على حساب منافسيه. وبينما أثار هذا قلق منتقديه الشيعة، فإنه لم يدفعهم إلى الخروج عن الصف الط/ائف/ي. إذ كان المالكي وقتها يسيطر على أكبر جمهور من الناخبين الشيعة.
فما من شك في أن العراق يبقى منقسماً. فقد أصبحت الطائ/ف/ية أداة يستخدمها أصحاب المشاريع السياسية، حيث تؤثّر الشكوك المتبادلة والتعبئة الطائ/في/ة على سلوك النخبة السياسية التي تتطلع إلى تكوين جمهور ناخبين، وحشد الدعم الشعبي.
بعد أكثر مئة عام على قيام الدولة العراقية الحديثة، تطور الحس الوطني العراقي لدى الغالبية العظمى من السكان في البلاد. غير أن فكرة الجماعة الوطنية المجردة لم تكن كافية لتوحيد البلاد، والتي لاتزال تفتقر إلى سردية وطنية حقيقية قادرة على تسوية الانقسامات. إذ أن شرائح مختلفة من المجتمع ذكريات وسرديات تاريخية مختلفة حول ماهية العراق أو ما ينبغي أن يكون عليه. كما أن فشل القيادة في جمع هذه الخيوط ضمن مبدأ وطني واحد وشامل يعزز الانقسامات والحدود بين الطوائف.
ولكي تتم معالجة الانقسامات الكبرى في البلاد، فإن العراقيين بحاجة إلى إجراء مراجعة جوهرية للقواعد التي تحكم النظام السياسي الحالي في البلاد. يجب أن يتحول التركيز إلى المواطنين بعيداً عن الطوائف. فالتغيير الحقيقي يتطلّب إجراء تعديلات كبيرة على الدستور والنظام الانتخابي العراقي إضافة إلى سنّ قوانين جديدة بشأن الأحزاب السياسية وإدارة الموارد. ويتعيّن أن تصبح السلطة أقلّ نخبويّة وأكثر بعداً عن المركزية وأكثر تعبيراً عن احتياجات الناس.
ومايزال المالكي يسيطر على دفة الحكم من خلال اطاره وهو يتوهم بانه يستطيع المحافظة عليه خاصة بعد افتقار معارضيه إلى رؤية واضحة وعدم وجود وسيط دولي قوي، يعوق إحراز أي تقدم. وإذا ما استمرت الاتجاهات الحالية، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الانقسامات الط/ائف/ية وظهور سلطويّة جديدة في بغداد تقوم على سياسة الإقصاء. إن الفجوة بين السنة والشيعة في العراق ناجمة في الأصل عن تحولات جيوسياسية واجتماعية وثقافية متعدّدة. فقد أدخل تأسيس جمهورية إيران عام 1979 نظاماً جديداً للحكم يقوم على أساس اللاهوت الشيعي، وغير ميزان القوى في المنطقة وخلق مظلة إيديولوجية للجماعات الشيعية المحرومة. وساعد ذلك في تقوية الجماعة الشيعية في العراق وشعورها بأنها تمتلك هوية متميزة.
اليوم نحن بحاجة الى وقفة جادة من جميع رجال الفكر والسياسة ومن العاملين في الوسط الديني ليكون لهم ليس فقط الموقف المستنكر والرافض لمثل هذه الظاهرة، بل نطمح ونحلم بالقضاء عليها وقلعها من جذور العراق، نشعر جميعا اننا بحاجة لان نستعيد التلاحم والمحبة والتآخي وأن نرفض ما تعكسه الطائفية من أحقاد وكراهية لا يمكن ان تنسجم مع تطلعات العراقيين لبناء مستقبل لأجيالنا القادمة مع أسس دولة تحترم دستورها ومواطنيها، وندرك جميعا أن من يحلم بوطن خال من الموت. نسعى جميعا كل من موقعه ودوره لان نتصدى لهذه الظاهرة قبل ان تستفحل وتأكل من أرواح أهلنا، ان نضع امام اعيننا ما صنعته الطائ/في/ة من نتائج لم نزال حتى اليوم نعاني من جراحها التي غارت داخل الجسد العراقي وان نتفق على أن لا تتكرر مثل هذه الوقائع بسمو انفسنا والترفع على هذه الظاهرة...