الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات لصوص الإفتاء.. وخبزة الفقراء

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

حسب القانون والدستور تُعتبر الملكية الفردية حقاً مقدساً وحقا لكل مواطن يحمل جنسية بلده لكن في دستورنا العراقي داست المصالح والطبقة العليا على كل المقدسات.

فلا تعنيها المقدسات مقابل حفنة من الدولارات أو أكداس منها دائما ما نسمع ونقرأ على كل المنابر أن الفقراء هم أمانة عند الأغنياء، والذي يسهر على هذه الوصية له بيت في الجنة.

لكن هنا تستعمل الأحزاب سياسة الفقر في برامجها الانتخابية لتحقيق مصالحها وتحرص على استمراريته لأن جل الأصوات نجدها عند الفقراء. ولهذا، تعد تلك الأحزاب الفقراء ثروة لتحقيق مناصبها من خلال استغلال فقرهم وعوزهم . وهذه تعتبر بحد ذاتها سرقة

ألم يلاحظ أصحاب العمامات أن هذه السرقة أو السرقات تمثل خطراً على حياة الناس؟ تُهدد وضعهم المادي وتهوي بهم وعوائلهم إلى المجاعة ألم يلاحظوا أن في ذلك مخالفة لدينهم وتعاليمه التي منها التأكيد على حق الحياة وحق المال الخ.

لقد بات التوظيف السياسي في العراق هو أولى سمات هؤلاء السُرَّاق، يمكن أن تلمحهم من استخدامهم السياسي الدائم للدين، فهم يطوعون الدين دائماً من أجل مشروعهم السياسي، وفرق شاسع بين من يضيف القيم الدينية على السياسة، وبين من يُطوع الدين ذاته لخدمة مشروعه السياسي، ثم يخرج على الناس مزيفاً الحقيقة بقوله مثلاً: نصف الدين سياسة، فكيف نترك نصفه الأول بينما لا يمكن فهم النصف الثاني إلا إذا أخذنا بالنصف الأول، وهذا هو التزييف.

فإذا أردنا أن نتحدث عن نكبة تعرض لها الإسلام، فأعظمها تلك التي مُني بها من الداخل من أناس أدعو أنهم حُماته، بينما هم في الحقيقة من سرقوه، هم سر نكبته وضياع هيبته في الوقت نفسه، فكل السهام التي وجهت إلى الإسلام كانت ممن يدَّعون أنهم يحملون لواءه ولكن الحقيقة كانوا بمثابة الخنجر الذي طُعن به الإسلام في ظهره.

دعاة الإسلام الحركي أو السياسي يمثلون قمة سلم سُرَّاقُ الدين، هؤلاء الذين طوعوا كل شيء في الدين لخدمة أهدافهم وأغراضهم، بل وأعطوا لأنفسهم حق التوجيه والإرشاد من خلال نصوص في الغالب تم تفسيرها في شكل مُجتزأ وخارج سياقها، هؤلاء هم أخطر على الإسلام من عدوه الذي ناصبه العداء في العلن، لأنه يبدو للمسلمين أن هؤلاء هم الدعاة بينما هم إن جاز أن نطلق عليهم لفظة الدعاة، فهم دعاة الهدم، وحكمنا هنا مستقرة الأساسي بأنهم أتوا في الدين ما ليس فيه سرقوا الدين من معانيه التي أرادها الله ومن أجله شرّعه.

ان تجويع الشعوب وخاصة في بلاد غارقة بالخيرات يعتبر في تصنيفات هذا العصر جريمة بحق الإنسانية يعاقب عليها. إن كان هذا موجودا أو معتبرا لدى من يحكم النظام العالمي

ارتكاب حرب المجاعة ضد الشعب هي حرب فعلية جندت لها كل قوى الدولة المادية والمعنوية لأنهم بذلك يريدون تطبيق المثل (جوع كلبك يتبعك، خوفا من تسمينه، فإذا سمن يأكلك)

إن سياسة التجويع للتركيع والانبطاح اتخذتها كل الأنظمة الضعيفة والقيادات المستبدة، التي لا تمتلك الحجة والبرهان فتعلوا بهما، وإنما اتخذت من سياسة المال وكنزه في يدها القوة التي تملك الرقاب وتذل بها الكبار. شتان بين الدليل والحجة والبرهان الذي يجمع العقلاء والحكماء حول القيادة فتتقدم للأمام، وقيادة اتخذت من المال ذريعة لجمع ضعاف العقول والألباب فتنهزم وتنسحق وتتمزق. سياسة لم يتبعها الكفار والمنافقون فقط وإنما هي منهج بشري لكل ضعيف حتى ولو تسمى باسم الإسلام.

إن نجاح أي دولة ليس متوقفا على المال وحده، وإن كان ضروريا، إنما يتوقف على حسن الإدارة والتوظيف وتقديم العقل والكفاءة على أصحاب البطون

عندما يثور الفقراء لأي سبب من الأسباب المادية والمعنوية، تعاقبهم الطبقة العليا بما تملك من قوى أمنية وعسكرية وهيمنة دينية. يبذلون كثيراً من الجهد لتبرير الثروات إلهياً، وعندما لا يقتنع الناس يُنزلون العقاب بهم. أخطر ما تفعله الطبقات الدنيا بنظر علياء القوم هو أن تعي نفسها كطبقة أو طبقات وتنظم نفسها في نقابات وأحزاب وتطالب بحقوقها. بديهي القول إن معظم ما تملكه الطبقة العليا، وهي أقلية عددية، هو حق الطبقات الفقيرة. ملكية الطبقة العليا تحدث عن طريق السيطرة على القوى الأمنية والعسكرية والإيديولوجيا. الأولى للقمع، والثانية لتبرير أعمال السلطة. تأتي التبريرات بحجج دينية إلهية طبعاً. يقول رجال الدين الله أعطى ولا يجرؤون على القول إن فلاناً وفلاناً وفلاناً سرقوا ونهبوا ما لا يستحقون، أي ما لم يعملوا من أجله. لذلك حرص السلطة، أي الطبقة العليا، على التعيينات في المناصب الدينية، ولا يُترك الأمر لاختيار شعبي. السلطة الدينية تهبط من فوق ولا تصعد من العامة. هبوطها من فوق يدعمها بسلطة إلهية تدعيها، وتزعم لنفسها ملكية ما لا تستحق. لا تملك من الله ما لا يملكه الغير. هي تبالغ في مضمون سلطتها الدينية كي تقوم بواجبها في خدمة سلطة المال والسياسة على وجه أكمل.

ان الفقر لا يحدث تلقائياً. هو يحدث بإرادة الطبقة العليا من أصحاب السلطة بحسب برنامج تعده سلفا ويجري تنفيذه لاحقاً. يستطيع الغني أن يقول أنعم الله عليّ بالثروة. يخجل الفقير من نفسه ولا يستطيع القول أنعم الله عليّ بالفقر. لا يستطيع اتهام الله بمصائبه. لكنه يستطيع اتهام السلطة التي تمثّل الله وتحتكره، من مدنيين وعسكريين ورجال دين؛ يستطيع اتهامها بإحداث فقره.

لقد برزت حالات عديدة منذ الاحتلال سنة3003 لقد بان هناك شبهات عن رحلة صعود من الفقر إلى الثراء عند الشخصيات السياسية والدينية والتي ذاع صيتها إبان الاحتلال الأمريكي بداية حيث قفزوا هؤلاء من المجهولية إلى الشهرة، واستغلال السياسة والدين لماذا قرروا الدخول إلى عالم السياسة وهم لم يقدموا أي شيء حقيقي ملموس للبلد سوى سرقته تقاتلوا على السلطة والمناصب ليس حبا بالوطن وخدمة المواطن كان همهم الوحيد كيف يصبحون فاحشي الثراء وقد استفادوا من حصانتهم البرلمانية في تغطية أنشطة ومصالح مشبوهة.

الفقر في وطني فرضته الطبقة العليا على الشعب وجعلت منهم فقراء ومتسولين وقليلي حيلة.

في كل مجتمع عدد محدود من الخيرات عندما تستأثر الطبقة العليا بكمية أكبر من نسبتها لعدد السكان، يكون طبيعياً أن تكون حصة البقية أقل من المعدل بكثير. كل ما يُحسب في ثروة المجتمع هو حصيلة عمل العاملين في المجتمع من عمال وفلاحين وموظفين وغيرهم. يُعطى هؤلاء أجورهم وهي الحد الأدنى الذي بالكاد يكفي للعيش. كل فائض عن ذلك تقتطعه الطبقة العليا مستخدمة سلطتها وممارسة سياسة القمع كي تجمع الثروة على حساب الأكثرية ومن حساباتهم.

وهنا انضوى رجال الدين، بالأحرى طبقتهم، في صف الطبقة العليا متخلين عن الله. تسلحوا بحصانتهم الدينية، كما تسلّح أرباب السلطة بحصانتهم السياسية

يتزامن تدمير الدولة وبعثرة وتفكيك بنيتها مع تدمير بنى المجتمع وعلاقة كل فرد مع الأشياء التي تصير نادرة وتؤدي ندرتها إلى الفقر والجوع. تنعكس على علاقة الفرد بالآخرين. بالإضافة إلى ما تحدثه الطائفية من بغضاء لأبناء الطوائف الأخرى. يؤدي حرمان الفقير من أساسيات العيش الى النظر للآخرين بعين وبصيرة لا يمكن أن تكون سوية. لا بدّ للفقراء المعدمين، وهم صاروا أكثرية المجتمع العراقي أن ينظروا ببغض لمن حولهم وأن يكرهوا بلدهم وأن يلعنوا الساعة التي ولدوا فيها هنا.

مع انتشار أزمة الفقر في العراق يظهر واضحاً تواطؤ الطبقة السياسية على افتعال ما يحدث أو مباركته. تدور معظم الحوارات السياسية، والتصريحات والنواءات، حول أمور هامشية، وقليلاً ما يناقشون الأزمة وأسبابها وكيفية الخروج منها. يُؤتى بخبراء اقتصاديين للحديث عن الموضوع. يُدلون بآراء هي من كل وادٍ عصا. لكن أحاديثهم تبقى لغواً مستطاباً لملء وقت الشاشات والإذاعات وأوراق الصحف. تعطيل الدولة هو في أساس كل ما يجري. غالبهم يتحدث عن عدم وجود الدولة. نادراً ما يتحدثون عن أن الدولة موجودة، ووجودها يجري تعطيله بقرار وتواطؤ أهل الدولة. التعطيل أحد أسبابه الدولة الموازية. لكن أهل الدولة الشرعية هم الأساس. الأرجح أنهم يتعاونون مع الدولة الموازية. حرمة المقاومة لا تستدعي التعطيل، لكن إساءة استعمال السلطة عند أهل السلطة وأحزابها تشي بأن هناك تواطؤاً بين هؤلاء وهؤلاء. تواطؤ على القبض على السلطة وإفقار الناس وشن حرب إبادة ضد المجتمع. مصادرة لقمة عيشهم من خلال الاستيلاء على ممتلكاتهم بحجة التجاوز وغلق بسطياتهم وهدم بيوتهم وفرض الإتاوات والغرامات وجباية الكهرباء والماء جميع هذه الأمور تكسر كاهلهم اليوم نحن نعيش في دولة صار كل ما فيها غير شرعي. تضج الأخبار لدى السماع بسرقة هنا أو هناك. لكن سرقة ما لدى المجتمع برمته فهي أمر مسكوت عنه. السكوت عن الجريمة مساهمة فيها. يتحدثون عن محاربة الفساد، لكن فساد الدولة والمجتمع محجوب عن النظر. هم كمن يرى شجراً ولا يرى الغابة. على كل حال، تعود قوانين الغاب لتحكم الدولة والمجتمع في العراق مشاركة أهل الطبقة السياسية فيها واضحة وضوح الشمس. كأنهم يريدون الإكثار من حوادث السرقة والفشل، لتغطية عملية السطو الكبرى التي يمارسها أهل السلطة. وهذه هي أولاً سلطة سياسية تتبعها السلطات المالية والدينية. الدين ضروري ليس للإيمان بالله بل لتبرير جرائم تحدث بحق الإنسانية.

يدعي الرأسماليون أن استثماراتهم هي سبب ديمومة الاقتصاد. لا يخبرون الناس أن تراكمات الثروة لديهم هي السبب الأساسي للفقر. ليس الفقر خللاً في النظام بل هو آلية أساسية لصنع الثروة. لولا الفقر لما كانت الثروات. مصادرة عمل العاملين باسم فائض الإنتاج والقيمة وجعل الاستثمار سبباً للإنتاج لا عمل العاملين سبباً للقيمة، هو الوجه الشرعي لتراكم الثروات. لكن الاقتصاد الموازي القائم على التهريب والتهرّب الضريبي وتجارة المخدرات والإتجار بالبشر المهاجرين وغسيل الموال وغير ذلك مما هو غير شرعي يشكّل جزءاً مهماً من الاقتصاد العالمي.

الفقر للأسف، ضرورة لكل نظام رأسمالي، بالأحرى لكل نظام فيه تراتبية اجتماعية. التراكم الرأسمالي لا يكون إلا على حساب الفقر يصبح الناس فقراء لأن طبقة عليا تصادر نتاج عملهم، أو جزءاً منه، وما يفيض عن الحد الأدنى الضروري للمعيشة. يمقته كل ذي عقل. يحاول بعض أصحاب الدين جعله فضيلة. تستغل الرأسمالية الفرصة لجعله مناسبة للإحسان. لكن معظم الناس يمقتونه. وتنشأ مؤسسات لمحاربة الفقر بالإحسان إلى ذويه. يكون الأمر مدعاة للفخر عندما يكون الثري محسناً. وما أكثر الاستخدامات السياسية عند أصحاب رؤوس الأموال. كما يحتاج النظام الرأسمالي إلى بطانة للإبقاء على تدني الأجور، فإنه يحتاج الى فقراء كي يستحق لقب الشهامة والتفضّل على المجتمع.

أزمة مجتمعاتنا في التدين الشكلي أو المزيف، فكلاهما خطف الدين وسرق آيات الله ونصوصه، ولا يمكن أن نتحدث عن مواجهة للتطرف في هذه المجتمعات أو نُلفت النظر إلى سُرَّاق الدين من دون أن نقرأ الواقع قراءة دقيقة بما يُحتم علينا التشخيص الصحيح لأزمة هذه المجتمعات، حتى يمكن مواجهة هذا التدين السلبي والخروج بالنص الديني مخرجاً يليق به كما أراد المشرع، فإذا فعلنا ذلك نجحنا في حماية مجتمعاتنا من شرور هؤلاء المتدينين ونجحنا في حماية النص الديني في الوقت نفسه.

وأخيرا أقول الفقر عملة صعبة تستعملها القوتان التوأمان الدين والسياسة وإن العدو الداخلي هو الخطر الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا، هذا العدو قد يكون أشخاصاً وقد يكون أفكاراً، وبالتالي المواجهة الحقيقية لا بد أن تبدأ من الداخل، فإذا نجحنا في مواجهة الداء من الداخل صحت الأعضاء وحسُن أداؤها بصوره كبيرة ووقفنا بذلك أمام سُرَّاق الدين والوطن والعمر..

مقالات متعلقة