لقاء العدد (19) مع الشيخ لطيف السعيدي
(باحث عراقي مستقل)
الميثاق| بماذا تعزو رهان البعض على نتائج الانتخابات رغم خيبة أمل العراقيين بالطبقة السياسية التي انتجتها الانتخابات الماضية؟
السعيدي| الذين جلبهم الغزاة الأمريكان ومن التحق بهم من مهمشين جهلة محرومي المال والجاه، هم مَن يُراهن ويَدع إلى ما يسمى بالانتخابات، ظنا منهم أن يحصلوا على صيد يرجونه من إطالة عمر الاحتلال والغزاة في ظل فوضى الميليشيات الطائفية واضطراب الشارع العراقي وسخطه وحزنه على ما يجري في العراق.
بعض هؤلاء يدرك أن مصيره أسود مخز ولا يستطيع الهروب منه، لأنهم مكبلون بدماء وإرهاب وفساد ودمار بلد، ولا توجد دولة تستقبلهم حتى من أسيادهم القريبين أو البعيدين.
أما الآخرون فهم يحكمون العراق باسم الطائفة الشيعية، وبحماية جيوش الغزاة يسوقهم حقد وضغينة تملأ قلوبهم وأنفسهم الشريرة، معتقدين بجهلهم أن الوضع لن يتغير. ((لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ))
الانتخابات باختصار قشة يتمسك بها الغزاة والمحتلون، فيسخرون لها الميليشيات الطائفية والمرتزقة السماسرة، لإطالة بقائهم في العراق طمعا في نهب ثرواته وللإجهاز على ما تبقى فيه من قدرات حيوية وطاقات بشرية، لئلا يستفيد منها الشعب وقيادته الوطنية القادمة قريبا بإذن الله.
ومسألة عزوف الشعب عن الانتخابات لا يختلف عن استمرار التظاهرات والدماء التي تجري يوميا والتفجيرات المتواصلة، كلها أمور تجاوزتها الدول الكبرى المسيطرة على العالم، التي لا يهمها شيء ولا تنظر إليها، وكنتيجة لذلك فلا قيمة لها في أروقة المؤسسات الدولية المعطلة أساسًا منذ نشأتها 1945م، ولا تعمل إلّا بأوامر الكبار عند حاجتهم، التي يبحثون عنها في مأساة الضعفاء؛ لذلك يجب العمل بقوة على استنهاض الهمم في صفوف الشعب وتفعيل المقاومة قبل فوات الأوان.
الميثاق| يحاول مقتدى الصدر ركوب موجة مقاطعة الانتخابات لأغراض سياسية في محاولة لابتزاز شركائه بالحكم، كيف؟
السعيدي| مقتدى الصدر لا يختلف عن عصابات الإرهاب التي قدمها العدو الإيراني كظهير وداعم للغزاة منذ 2003م انتقامًا لحقد دفين قديم جديد على العراق وطمعًا في السيطرة، وكمكافئة للدول التي عملت على وصول نظامهم الصفوي لحكم إيران 1979م، ومساعدتهم على حساب الأحزاب والحركات الإيرانية الوطنية، التي قاومت نظام الشاه لعقود قبل أن يتمرد (الملالي عام 1963 م) عليه بزعامة الخميني بدوافع خارجية بعد إجهاض ثورة مصدق 1953م.
أما مقتدى فهو حلقة ضعيفة ترتبط بإيران لأسباب كثيرة منها:
قتل مجيد الخوئي رجل الغزاة الأول الذي يشار إليه بالبنان بحكم مرجعية والده أبو القاسم الخوئي وشهرته التي فاقت شهرة محسن الحكيم (وراء الأكمة ما وراءها).
وكما تعلم منذ عدة سنين لمع نجم جواد بن تقي الخوئي العدو اللدود لمقتدى الصدر، فأضحى امبراطور مال ونفط العراق، ورافق البابا إلى ذي قار (الناصرية) وصلى معه في أور.
يسيطر أبناء الخوئي الأشقاء الثلاثة على مؤسسة الخوئي منذ تأسيسها في لندن أواخر تسعينات القرن الماضي، اثنان منهم قتلا في العراق (تقي ومجيد) وخلفهم فيها شقيقهما صاحب الخوئي وعضوية أبنائهما جواد بن تقي وحيدر بن مجيد. المؤسسة في لندن معروفة بفروعها وأموالها الوفيرة وارتباطاتها المتشعبة، يزورها كبارُ المسؤولين الدوليين سياسيين ورجال دين وإعلاميين وغيرهم.
هذا ما يؤرق مقتدى الصدر، المطلوب دوليا بدم مجيد الخوئي، فضلًا عن الخلاف العميق بين آل الخوئي وآل الصدر.
كذلك فإن مقتدى الصدر يدرك أنه مطلوب عراقيًا وبرقبته دماء أكثر من 60 ألف مدني عراقي بريء، وقد نُفذت بأوامره الكثير من التفجيرات في عموم العراق، خاصة في بغداد والمنطقة الغربية.؛ وهذا ما دفع أن يبحث على مَن يخلصه من الوحل الذي وقع به بحقده وجهله وحماقته.
فتدخّل الحرس الثوري الإيراني بدعم صهيوني ودولي بصورة غير مباشرة ليمسك بخيوط اللعبة بحجة حفظ رأس مقتدى بتأسيس جيش المهدي ليوغل في دماء العراقيين ولتمكين مقتدى من السيطرة على برلمان الغزاة ونهب المال العام والخاص وتوسع سلطانه وبذلك أصبح مقتدى وما يملك بيد الحرس الثوري الإيراني.
هنا برز تنافس بين الغزاة أنفسهم تَبعه تنافس بين أوساط المعممين، ما دفع علي السيستاني لتأسيس الحشد الشعبي الإرهابي وذلك بمعرفة دولية وإيرانية صهيونية مفضوحة. وكنتيجة لما تقدم فمقتدى ضعيف جدًا أمام إيران وتستثمره دائما كورقة رابحة.
جميع الأطراف الحاكمة في العراق سواء مقتدى وشركاؤه يعملون على استمرار الفوضى والإرهاب والدماء والخراب بتوجيهات من خارج الحدود.
ليتواصل نهب الثروات وسرقة الأموال والأملاك لإفقار الشعب ونشر الأمية والجهل في صفوفه، يتبعها انتشار المخدرات والرذيلة التي كانت محرمة في العراق، هذا ما حصل ويحصل يوميا.
تطبيقا لدعوة كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي إلى (الفوضى الخلاقة).
إعلان مقتدى مقاطعة الانتخابات القادمة:
أولا: بإشارة من إيران، لتستعمله كورقة أخيرة تظهرها قبل الانتخابات أمام الغزاة على أنها الأقوى والمسيطرة في العراق.
وثانيا: لتبتز بها عصابات المنطقة الخضراء أكثر كمنظمة بدر وحزب الدعوة والشيوعيين والسنة وغيرهم، وكذلك تلوح بها إلى مراجع النجف والدولة العميقة برئاسة محمد رضا السيستاني ورهطه ألّا يشقوا عصا الطاعة، لعلمها أن اللوبيات التي تحكم العالم والمخابرات الدولية المهمة لها مكاتب مهمة في النجف وبغداد.
وثالثا: ليظهر مقتدى الصدر أنه قوى مقاومة وممانعة، وبذلك يكسب رضا بعض القوى الدولية، التي تبحث عنه وأمثاله.
ورابعا: ليُثْبت لجواد الخوئي وحاشيته أنه قوي ولديه ميليشيات وأموال وعلاقات دولية.
الميثاق| كلما يقترب موعد الانتخابات تزداد وتيرة استهداف الناشطين من قبل المليشيات وسط غياب حكومي؟ من يتحمل هذا الانفلات؟
السعيدي| استهداف الناشطين الوطنيين خطة إيرانية رسمها الحرس الثور الإيراني بقيادة الإرهابي قاسم سليماني وصادقت عليها القيادة الإيرانية بعلم الغزاة ورضاهم؛ وإلّا بماذا تفسر إذا انطلقت تظاهرة متوسطة العدد ولفترة محدودة، قد لا تتجاوز الأسبوع في أحسن الأحوال في أي دولة عربية، تنبري الأمم المتحدة ومؤسساتها بشجب واتهام حكومة ذلك البلد بقمع شعبه ومنعهم من التعبير عن إرادتهم؛ في حين تظاهرات العراق "الديمقراطي" كما يزعمون، بدأت منذ الغزو 2003م ولا تزال ومع ذلك فلا نسمع سوى كلمات فضفاضة من الأمم المتحدة وأمينها العام وممثليها في العراق، وهي تساوي بين الجلاد والضحية مرجحة كفت الجلاد الديمقراطي!.
في نظري يتحمل هذا الانفلات المرجعية وزعماء مليشيات الإرهاب وعصابات وسماسرة المنطقة الخضراء.
كما يتحمل المسؤولية الأولى كل من الأمم المتحدة والغزاة الداعمين أمنيًا وعسكريًا واستخباراتيًا وسياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا. (لهذه العصابات الإرهابية المتنوعة والميليشيات الطائفية).
الميثاق| رغم تصريحات رئيس الحكومة الكاظمي بالسعي لحصر السلاح إلا أن الميليشيات تتغول بالمجتمع بمخطط خطير يعرف أهدافه الكاظمي؟
السعيدي| ساهمت تظاهرات العراقيين المهاجرين والمهجرين حول العالم وخاصة في الدول الكبرى في تغيير الإرهابي عادل عبد المهدي، حيث أُجبر الإعلام العالمي على تبني أخبار ثورة تشرين؛ ما جعل برلمانات تلك الدول وحكوماتها تحت ضغط شعوبها، فساعد هذا على تعيين الكاظمي على رأس حكومة الاحتلال كحل توافقي بين دول الغزاة وإيران لتخفيف الضغط ولترضية خواطر المتظاهرين والمعتصمين، وهم يرجون من ذلك تشتيت التظاهرات وإخمادها، لكن ذلك لم ينفع إذ سرعان ما عادت التظاهرات وعاد معها الاختطاف والدماء، بسبب عدم قدرة الكاظمي على الوفاء بوعوده، بل انتشر القتل أكثر في العراق، ولم يستطع حصر السلاح حتى من الفصائل الصغيرة.
السبب الأهم في ذلك أن المهمة الدولية، التي شُكلت لأجلها ميليشيات الإرهاب في العراق بفتوى طائفية، لم تنته، بدليل أن الدعم الدولي والإقليمي للميليشيات لا يزال متواصل لها بزعامة أمريكا تسليحاً وتدريبًا وتمويلًا، ما يزيد في تغولها على حساب شعب العراق، فمثلا أمريكا تدعم الميليشيات سنويًا ب 700 مليون دولار عبر حكومات الاحتلال المتعاقبة، فضلًا عن الدعم الدولي والإقليمي غير المنظور؛ علما بأن الدعم ليس مالي فقط، بل سياسي ودبلوماسي وعسكري كما أشرنا، وهنا تكمن الخطورة.
الميثاق| أين تكمن خطورة الخلافات بين قوى وفعاليات ثورة تشرين وانعكاسها على صمودها وديمومتها؟
السعيدي| اسم ثورة تشرين سيبقى مع الثوار الوطنيين المخلصين الصادقين رجالا ونساءً، ولكن الأكثرية ستتشتت بفعل فاعل مدعوم دوليا، ألا وهي الميليشيات وما يسمى بقوى الأمن، والأهم عدم التفات القوى المناهضة للاحتلال إلى ثوار تشرين، وهم يحتاجون إلى قيادة حكيمة لتنظيم أمورهم وإلى درع يحميهم، وهم يصرحون بذلك.
اليوم وبعد تحرير أفغانستان الكرة في ملعب القوى المناهضة للاحتلال؛ والحاجة للقيادة والدرع أكثر وضوحًا وإلحاحًا، فأرى أن العمل المناهض للغزاة يمكن في المقاومة فهي الحل لطرد إيران وأدواتها وحماتهم الغزاة الأمريكان والصهاينة وشركاتهم الأمنية واستخباراتهم من العراق.
الميثاق| كيف تفسر سعي بعض القوى المتاجرة بمصير جرف الصخر وأهلها رغم تحول هذه المدينة الى محمية إيرانية؟
السعيدي| منطقة "جرف الصخر" أخذت رمزية عالمية كرمزية الفاو في الحرب العراقية الإيرانية، التي شنها خميني، فكان يوم تحريرها من قبل أشاوس الجيش العراقي علامة فارقة في هزيمة العدو الإيراني العنصري الطائفي، لذلك فتحرير ناحية (جرف الصخر) يعني هزيمة إيران ليس من العراق فحسب بل من المنطقة؛ لأن إيران تعتبرها ضمن نطاق طاق كسرى وتنظر لأهميتها في حزام بغداد.
أما المتنافسون على تحرير جرف الصخر كما يزعمون، وهم لا يستطيعون تحرير أنفسَهم من أنفسِهم ولا من إيران أو غيرها؛ فهذا يدل على بَلادة سياسية وتخبط دون علم بما يجري في العراق والمنطقة؛ ففاقد الشيء لا يعطيه. وسنرى النتائج قريبا بإذن الله.
الميثاق| هل تعتقد أن العراق بوضعه المزري والمتراجع في وارد السعي لجمع الأضداد وتقاطع مصالحهم؟
السعيدي| نعم/ العراق ولّاد وشعبه حماة ديار وأهل كرم وشهامة ومروأة ونخوة، فجمعهم لا يحتاج إلّا لكلمة طيبة من قيادة عراقية أصيلة واعية صادقة، خبرها التاريخ وخبرته؛ لهذا إيران وحماتها الغزاة يحسبون ألف حساب لذلك اليوم، ويعلمون تماما أن المارد العراقي سيظهر وستتجمع حوله كل شرائح المجتمع العراقي وسينتصر قريبا بإذن الله.
الميثاق| تعيش المدن الغربية المدمرة وأهلها واقعا كارثيا بسيطرة المليشيات عليها وشحة تمويل الحكومة لإعمارها وعودة سكانها من يتحمل مسؤولية ذلك؟
السعيدي| كما أسلفنا في فقرة سابقة يتحمل المسؤولية الغزاة ثم عصابات سماسرة المنطقة الخضراء وزعماء الميليشيات ومراجعهم، وكذلك الأمم المتحدة وممثليها في العراق.
الوضع الكارثي في المدن الغربية هدف إيراني صهيوني قديم جديد، ولا يمكن أن ينتهي إلّا بنهاية الاحتلال وحماته الغزاة كما في الهاشتاق، الذي أضعه في ذيل تغريداتي في تويتر والفيسبوك.
أمريكا جَلبت لحكم العراق وحوشًا بثوب بشري، في قلوبهم غل عنصري عقائدي دفين على شعب العراق، وخاصة المدن الغربية العتيدة، حيث فيها إرث وثقل إسلامي منشود. لهذا لا أستبعد تواطؤ بعض دول الإقليم مع الأمريكان والصهاينة وإيران.
أمًا مسألة إعمار المدن الغربية وعودة أهلها مسألة بعيدة التنفيذ في ظل حكومات الاحتلال.
الميثاق| بماذا تفسر تهديدات الكاظمي بملاحقته سراق المال العام واستردادها غير أن تهديداته لم تجلب المتهمين إلى القضاء والكشف عن الذين يوفرون الحماية لهم؟
السعيدي| الكاظمي، كالذين سبقوه من زعماء حكومات الاحتلال، لم يحققوا في أي جريمة أو انفجار وأي مجازر ارتكبت أو اختطاف أو فساد مال أو عقار أو غيره منذ الغزو 2003، لأنها ليست من اختصاصه ولا من صلاحياته.
هم ناس سذج مرتزقة، وُظّفوا لاستلام الأوامر وقمع الشعب، واجبهم إدارة السمسرة وجني الأرباح، لذلك فالخلاف بينهم عميق وواضح وضوح الشمس في رابعة النهار. وهذا ما يسعى إليه ويُؤصّله أسيادُهم من وراء البحار كي يُسوّقوا لشعوبهم أن في العراق "ديمقراطية" بترويج من الإعلام العالمي الظالم وترديد الأمم المتحدة. وكما قالوا: "إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم".
أما كلام الكاظمي أو غيره، فهي أقاويل مرتزقة تطلق في وقت ما يسمى بالانتخابات، أو التنافس فيما بينهم على غنيمة، وربما تكون نتيجة لصراعات ربحية داخلية، أو لتبادل الأدوار وذر الرماد في العيون بتوجيهات من أسيادهم.
وتلكم التهديدات أحيانا تخضع لتنافسات دولية على العراق والمنطقة.
الميثاق| كيف تقرأ ما يجري في أفغانستان هل يتكرر السيناريو في العراق لاسيما وأن كل عوامل التغيير موجودة؟
السعيدي| ما يجري في أفغانستان إرادة شعب انتصر على من ظلمه وعلى من احتل بلاده بغير حق.
فيما يتعلق بما حدث ويحدث من قلاقل وهرج ومرج خاصة في مطار كابل من صنع عصابات الغزاة وعلى رأسهم أمريكا وإيران المهزومتين، والإعلام الكاذب المروج لكل ما يسيء للإسلام والمسلمين، فضلا عن بعض الفقاعات التي ظهرت كأحمد شاه مسعود وغيره، وستنتهي لوجود إرادة شعبية قوية ترفض الاحتلال وأذنابه.
نعم سيتكرر المشهد في العراق وبأسرع وقت إذا توفرت قيادة كفوأة صالحة حكيمة لديها بطانة وطنية مخلصة ذات جذور اجتماعية أصيلة لهما معرفة بالمجتمع والتاريخ والجغرافية والسياسة والإدارة قادرة على جمع الفرقاء في بوتقة واحدة وبأسرع وقت كما أسلفنا.
هناك تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة والعالم، الضعف شديد جدا وواضح في أمريكا وإيران، وتلك فرصة ثمينة يجب أن لا تضيع.
{وما توفيقي إلّا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}