بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
من المرجح أن يتردد صدى حادث تحطم المروحية الذي قُتل فيه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجية البلاد ومسؤولين آخرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط والعالم لسنين طويلة وسيفتح هذا الملف في كل مناسبة سياسية على الصعيدين العربي والدولي لأن النفوذ الإيراني له امتداد على نطاق واسع وعميق في عدد من الدول.
وتراقب واشنطن كيفية تعامل إيران مع الأزمة الحالية وما يهم أمريكا منه هو التنافس على منصب المرشد الأعلى، والذي قد يعتمد توقيته على صحة خامنئي، ومع ذلك تعتقد إدارة جو بايدن أن إيران ستكون منشغلة بمشاكلها الداخلية لدرجة أنها لن تكون قادرة على إجراء تغييرات كبيرة في سياساتها الإقليمية بما في ذلك دعمها للقوى الوكيلة التي تزعزع استقرار العديد من الدول العربية.
ولا تبدو إيران من الدول التي يموت رؤساؤها بالصدفة فتحطم الطائرات تدور حولها كثير من الشكوك، ولكن من الأشياء التي انكشفت هو أن إيران لم تتمكن على الرغم من تصريحاتها المتعددة بشأن تطورها التكنولوجي من توفير وسيلة نقل آمنة لرئيسها أو حتى العثور عليه.
إيران أمضت عقوداً في دعم مسلحين وجماعات مسلحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن سمح لها باستعراض قوتها أمام أعدائها وأبرزهم إسرائيل. اليوم يموت رئيسها ووزيره ومرافقيه ضباط ومراتب في حادث بسبب عدم وجود قطع غيار للطائرات التي تمتلكها الجمهورية الإيرانية.
وقد أظهرت إيران استعراض القوة الإعلامي الشهر الماضي عندما أطلقت تحت قيادة رئيسي والمرشد علي خامنئي طائرات مسيرة وصواريخ باليستية على إسرائيل رداً على غارة جوية على القنصلية الإيرانية في دمشق أسفرت عن مقتل جنرالين إيرانيين وخمسة ضباط. وكان ذلك أول هجوم مباشر في تاريخ إيران على إسرائيل، وإن كان قد تم الاتفاق عليه بين الطرفين بوساطة أمريكية حفاظا لماء وجه إيران.
ورداً على ذلك شنت إسرائيل هجوماً بطائرات مسيَّرة على قاعدة جوية وموقع نووي بالقرب من مدينة أصفهان بوسط البلاد، لم تتسبب في وقوع إصابات.
ويوجه الكثيرون أصابع الاتهام لإسرائيل في مقتل رئيسي، ظناً منهم أن تل أبيب يمكن أن تكون قد دبرت حادث تحطم مروحيته.
إجماع من كل الجهات على أن مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لم يكن ليحدث في ظروف وواقع إقليمي أكثر حساسية من الوقت الحالي. لكن كيف سيثير مقتل رئيسي أزمة في الشرق الأوسط؟
إذا ثبت تورط إسرائيل في وفاة رئيسي فإن هذا الأمر قد يشعل صراعاً أوسع بالمنطقة وفقاً لما أكده الخبراء والمحللون العسكريون.
وقد يسفر ذلك عن هجمات مضادة من الجماعات المسلحة المناهضة لإسرائيل والمدعومة من إيران بالشرق الأوسط. وقد شنت جماعة «حزب الله» اللبنانية صراعاً منخفض الحدة مع إسرائيل منذ بداية حرب غزة وتبادل الجانبان الضربات بشكل شبه يومي على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية مما أجبر عشرات الآلاف من الأشخاص على الجانبين على الفرار. لكن هذا الصراع محدود ومضبوط بضوابط قواعد الاشتباك المتفق عليها بين الطرفين. ولذلك حتى الآن لم يتحول الصراع إلى حرب شاملة من شأنها أن تكون كارثية لكلا البلدين.
وشنت الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا والعراق هجمات متكررة على القواعد الأميركية في الأشهر الأولى من الحرب لكنها وفق ما تسمى قواعد الاشتباك أيضا.
وأتوقع أن وفاة رئيسي ستغير ميزان القوى بين الفصائل داخل الحكومة الإيرانية. ويبدو أن إبراهيم رئيسي قد تم اختياره على وجه التحديد لأنه لا يمكن أن يكون منافسا جديا لخامنئي، وفي عام 2017، كشف عن أنه يفتقر إلى الكاريزما في المناظرات الانتخابية ضد الرئيس آنذاك حسن روحاني.
وبينت الفترة التي قضاها في منصبه منذ عام 2021 أيضا عن عدم كفاءته المطلقة فحسب بل أيضا عن عدم أهميته السياسية ويطلق عليه البعض الرئيس الخفي.
وخلال حركة المرأة والحياة والحرية، التي هزت إيران في الفترة من 2022 إلى 2023، لم يهتم سوى عدد قليل من المتظاهرين بالهتاف بشعارات ضد رئيسي لأنهم كانوا يعلمون أن السلطة الحقيقية تكمن في مكان آخر.
وبالنسبة لخامنئي ما يهم هو أنه يمكن الاعتماد على رئيسي للامتثال لخط النظام. في المقابل توقع العديد من المراقبين السياسيين أن يكون رئيسي مرشدا أعلى ضعيفا مما يسمح للسلطة الحقيقية بالتدفق إلى مكان مثل الحرس الثوري، على سبيل المثال، أو إلى مراكز السلطة الأخرى المحيطة بالنظام أو التابعة له.
وينتمي رئيسي إلى دائرة خاصة جدا من النخبة السياسية الإيرانية، وفي السنوات القليلة الماضية أصبح آخرون في الطبقة السياسية يشعرون بالقلق بشأن طموح الدوائر المحيطة به.
والصفات نفسها التي جعلت رئيسي يبدو على الأرجح خيارا آمنا للنظام للرئاسة جعلته أيضا منافسا أساسيا لخلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى. ووفقا للدستور الإيراني لا يمكن أن يصبح رئيسا للدولة إلا رجل دين يتمتع بخبرة سياسية جادة.
هناك توتر كبير بين الرئيس إبراهيم رئيسي وجزء واسع من المجتمع الإيراني نتيجة دوره في ثورة القضاء وعمليات الإعدام التي أشرف عليها، بالإضافة إلى قمعه لثورة مهسا أميني وتدهور قيمة العملة الوطنية خلال فترة رئاسته. ويحاول النظام باستخدام أساليب مختلفة خنق أصوات المعارضين لسياسته ومنع نشر مواقف الناس في وسائل الإعلام المحلية.
وبعد وفاة رئيس الجمهورية إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ابتهج العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي لدور هذين المسؤولين في القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في إيران.
كما أعلن أهالي ضحايا النظام الإيراني عبر رسائلهم ومنشوراتهم عن ابتهاجهم بخبر وفاة رئيسي في تحطم مروحيته بمحافظة أذربيجان الشرقية، شمال غربي إيران.
وكتب نشطاء سياسيون إيرانيون في إشارة إلى تهديد السلطات لمستخدمي وسائل التواصل بعد وفاة رئيسي لا تهددوا الناس، فإن رد الفعل الطبيعي جدا لهؤلاء الأشخاص الذين يعانون هو أن يفرحوا بحزنكم.
أظهر الساخرون من النظام أنهم يريدون بقوة دفع حدود التنكيت والسخرية إلى أبواب بيت المرشد خامنئي. ربما لن يكون ذلك اليوم بعيدا.
الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي كان يلعب دورا محوريا في قمع معارضي النظام، وصناعة الموت، وبث الرعب في البلاد لهذا تشعر السلطة أن هذه الحادثة مهما كانت خلفياتها، وجّهت لها ضربة كبيرة. الأحداث الحاصلة على الساحة الإيرانية تشير إلى وجود معركة سياسية شديدة للغاية.
عدم رضا واستياء شديدين تجاه إبراهيم رئيسي في إيران من قبل خصومه السياسيين والمواطنين، أثر إقراره قوانين مثيرة للجدل مثل قانون العفاف والحجاب الذي أثار جدلاً واسعاً أسفر عن مقتل مهسا أميني وأوقعت آلاف الضحايا نتيجة هذا التصعيد الأمني الناجم عنها. واعتبر البعض أن هذا الابتهاج الشعبي هو مصداق واضح لمدى نفور الناس وبغضهم للنظام.
خلال فترة ولاية رئيسي، فقدت العملة الإيرانية 55% من قيمتها. بالإضافة إلى ذلك، شهدت البلاد انتهاكات أمنية كبيرة أدت إلى تدهور سمعة التيار المتشدد بشكل ملحوظ وتراجع الدعم والتضامن معهم. على الصعيد الداخلي لإيران فبالتأكيد سيترك مقتل رئيسي علامة في المشهد الإيراني.. فالتظاهرات التي شهدتها البلاد على خلفية قضية مهسا أميني ليست ببعيدة.. كما ويستمر الضغط الاقتصادي كأحد العوامل الرئيسية التي تحرك البلاد.
وأن التأثيرات المباشرة على المنطقة تُعد طفيفة في ظل غياب الرئيس الإيراني، وهذا الغياب لن يؤدي إلى تغييرات جوهرية في سياساتها المتبعة في غزة والعراق ولبنان، وكذلك فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني والمفاوضات الجارية سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة مع الجانب الأميركي.
يُولي النظام اهتماما استثنائيا بجنازة رئيسي لتكون بمثابة استفتاء على شعبية خيارات المرشد الإيراني إذ كان رئيسي خيار المرشد وتمثيلا لمشروعه السياسي، الذي يُمثل تطلعات وتوجيهات المرشد، مما يجعله الابن السياسي له.
وهناك تساؤلات أُثيرت عن سبب إعطاء الضوء الأخضر لإقلاع المروحية في ظروف جوية غير مقبولة فوفقا لقواعد الطيران فإنه يتم تقديم المعلومات حول الظروف الجوية مسبقا، ولا يمكن أن تقلع مروحية تحمل رئيس الدولة أبدا إذا كانت الظروف الجوية غير مواتية ويحق للطيار تجاهل الأوامر من أحد فلماذا قرر الإقلاع؟.
وفي كل دولة هناك قواعد معينة للرحلات الحكومية رفيعة المستوى ويجب اتباعها بدقة خاصة عندما يتعلق الأمر بالمروحيات وأنه لا ينبغي أن يكون اثنان من كبار المسؤولين في نفس المروحية. فكيف حدث أن استقل الرئيس ووزير الخارجية المروحية ذاتها؟.
كل دولة بغض النظر مهما كانت تتحمل مسؤوليتها الخاصة عن ضمان سلامة وموثوقية معداتها بما في ذلك الطيران المدني، لذا فإن هذا اتهام لا أساس له على الإطلاق ولا صحة له.
بعض من المجتمع الإيراني وحكومته يبحث عن مؤشرات على يد إسرائيلية أو أميركية في مقتل رئيسي.
وأكدت السلطات الإيرانية أن المأساة لن تؤدي إلى تعطيل عملها فوفقا للمادة 131 من الدستور الإيراني، التي تنص على نقل صلاحيات الرئيس، في حالة وفاته، إلى نائبه الأول. منذ العام 2021، يشغل هذا المنصب محمد مخبر.
والصفات نفسها التي جعلت رئيسي يبدو على الأرجح خيارا آمنا للنظام للرئاسة، جعلته أيضا منافسا أساسيا لخلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى. ووفقا للدستور الإيراني لا يمكن أن يصبح رئيسا للدولة إلا رجل دين يتمتع بخبرة سياسية جادة.
لكن هناك توقعات أخرى تناقلتها وكلات أنباء تشير إلى أن أي رئيس جديد قد تكون لديه أولويات مختلفة عن رئيسي وقد لا يهتم بمعاداة إسرائيل بنفس مستوى معاداة الرئيس الراحل لها، وبالتالي فإن طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط قد تتغير كثيراً وتختلف عما نراه حالياً.
وأيضا هناك مخاوف تتعلق بتبعات غياب رئيسي عن الساحة السياسية تثير القلق بشأن استمرارية عملية تطبيع العلاقات بين إيران ودول الخليج. حيث لعب كل من رئيسي ووزير الخارجية أمير عبد اللهيان دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر والضغط على المرشد الأعلى لإقناعه بأهمية الحفاظ على علاقات جيدة مع دول المنطقة وخاصة السعودية. كما أن الدور الذي قام به رئيسي كوسيط لخامنئي لتوضيح أهمية تعزيز العلاقات الجيدة في تعزيز مصلحة ونفوذ إيران في المنطقة.
من المتوقع أن يؤثر غياب رئيسي وعبد اللهيان اللذان لعبا دوراً محورياً في بناء علاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية بشكل ملحوظ خاصة عند النظر إلى المسؤول الحالي عن وزارة الخارجية، رغم قصر فترة توليه المنصب لمدة خمسين يوما فقط، آت من خلفية تخصصه في الملف الإيراني النووي المعروف بالنهج المتشدد والمتصلب.
يجب على الرئيس الجديد أن يدرك ديناميكية المجتمع الإيراني ويفهم التطورات التي يشهدها الشارع وعلى الحكومة الإيران مزيد الاهتمام بمصلحة مواطنيها قبل الاهتمام بأذرعها العسكرية.
وسؤال يطرح نفسه هل سيكون على عاتق القيادة الإيرانية الجديدة استكمال الطريق الذي بدأه رئيسي في تطبيع وتليين العلاقات والبحث عن أساليب تعاون جيدة في المجال الاقتصادي والأمني. أم سيشهد المسرح الإيراني السياسي توجهات أخرى للرئيس الجديد؟..