الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مبيعات الدولار بين التكييش والحوالات الوهمية

بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)

لم يعد يخفى على أحد حجم مبيعات نافذة بيع العملة الأجنبية في البنك المركزي العراقي والتي تتصاعد حجم مبيعاتها اليومية من الدولار بشكل مريب جداً وهذا الحجم الهائل من المبيعات يذكرنا في نفس الفترة من العام الماضي الذي شهد ارتفاع كبير جداً في المبيعات والذي أعقبه صدمة كبيرة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية التي فرضت عقوبات على 14 مصرفا دفعة واحدة ومنعهم من التعامل بالدولار بعد ما تبين وبالأدلة قيام هذه المصارف بارتكاب جرائم مالية استوجبت المعاقبة, وبالعودة إلى حجم المبيعات اليومية الهائل وخصوصاً المبيعات لغرض (الحوالات والاعتمادات المستندية) بقياسها مع حجم البضائع في السوق العراقي نجد أنها لا تتناسب إطلاقاً وأن حجم البضائع في السوق العراقية أقل بكثير من حجم مبيعات الدولار لغرض الاستيراد وهو ما يثبت قيام المصارف بالتحايل على العقوبات الأمريكية وإخراج الدولار من العراق باستخدام طرق غير شرعية تخرج الدولار ولا يعود مقابله بضاعة.

وبالعودة إلى تصريح سابق لمحمد السوداني عندما كان نائبا في البرلمان صرح وقتها بأن العراق لا يحتاج هذا الكم الهائل من المبيعات اليومية, ثم وفي نهاية العام الماضي صرح أيضا بأن المصارف الأهلية تأخذ الدولار وتضارب به في السوق الموازي وهو ما يتسبب بأضرار مالية ونقدية واقتصادية للدولة والمواطن على حدٍ سواء بالوقت الذي يحقق فيه المضاربون أرباحا هائلة جداً وتشكل المصارف الأهلية رأس المضاربة في السوق الموازي الذي يتسبب بخسائر كبيرة لخزينة الدولة العراقية تقدر سنوياً بأكثر من (6 مليار دولار) تذهب إلى خزائن المضاربين الجزء الأكبر منها المصارف الخاصة.

فقد باع البنك المركزي العراقي خلال شهر كانون الثاني من هذا العام (4,095,557,021) دولار أمريكي من بينها (3,585,641,446) دولار لغرض الحوالات الخارجية أي أن نسبة الحوالات كانت (91%) من حجم مبيعات نافذة بيع العملة وأن المبيعات النقدية كانت (509,915,575) دولار, أما شهر شباط فقد باع البنك المركزي العراقي (4,001,381,176) دولار أمريكي من بينها (3,585,442,837) دولار لغرض الحوالات الخارجية أي أن نسبة الحوالات كانت (88%) من حجم مبيعات نافذة بيع العملة وأن المبيعات النقدية كانت (415,935,339) دولار, أما شهر آذار فقد باع البنك المركزي العراقي (4,398,031,259) دولار أمريكي من بينها (4,072,503,396) دولار لغرض الحوالات الخارجية أي أن نسبة الحوالات كانت (96%) من حجم مبيعات نافذة بيع العملة وأن المبيعات النقدية كانت (325,527,863) دولار, ومن خلال المتابعة نجد أن خلال ثلاثة أشهر قامت المصارف الخاصة المهيمنة على نافذة بيع العملة بتحويل (12,494,969,456) دولار إلى خارج العراق.

إن المتتبع لعمل المصارف الخاصة يجدها تبدع بشكل كبير باستخدام الطرق للتحايل على العقوبات الأمريكية لغرض الاستحواذ على الدولار بطرق غير شرعية وخصوصا المصارف الأربعة المهيمنة على مبيعات نافذة بيع العملة وهي مملوكة لدول خارجية أوجدت عدداً من الطرق الاحتيالية للتغلب على العقوبات والاستمرار بالاستحواذ على الدولار الذي يذهب جزء كبير منه بتمويل أنشطة الميليشيات الولائية في العراق وحزب الله اللبناني وإيران وشخصيات حزبية وميليشياوية وبتواطؤ المتنفذين في العراق الذين يتقاضون نسبا مالية لغرض الصمت والتغطية على ذلك, ومن طرق التحايل الأكثر استخداما والتي كشفناها منذ العام الماضي في وسائل الإعلام ولم يسمعنا أحد وبقيت مستخدمة وحتى أصبحت الآن تستخدم بشكل كبير هي:

• تكييش الاعتمادات المستندية: طريقة احتيالية تقوم المصارف الخاصة بإصدار الاعتمادات لتجار معينين هم من أدوات هذه المصارف الذين تعمل معهم لغرض التحايل وسرقة الدولار, فتقوم بإصدار الاعتمادات المستندية لغرض الاستيراد تكون باتجاه إحدى هذه الدول ( الصين, الإمارات, تركيا, الأردن) ومن ثم يقوم التاجر بالذهاب الى إحدى هذه الدول والمصرف المتفق عليه مسبقا ومن ثم تكييش الاعتماد المستندي (أي تحويله إلى كاش بالدولار) ومن ثم أما يبقى في تلك الدولة أو يوجه صوب الوجهة المحددة بعد تقاسم النسب المتفق عليها, وتعد المصارف الإماراتية والتركية وبعض الدول الأخرى من أكبر وأهم محطات هذه الطريقة وأشدها ضررا بالعراق وخصوصا المصارف التي هي وسيط أو مالكة لأكبر المصارف المهيمنة على نافذة بيع العملة, وقد ثبت كثيرا قيام هذه المصارف بارتكاب جرائم مالية بوثائق رسمية محلية ودولية.

• الحوالات الوهمية: وهي طريقة احتيالية تقوم بها المصارف بتحويل مبالغ مالية بحجة الاستيراد لكنها إما أن لا تعود مقابلها أي بضاعة للسوق العراقي, أو تعود بجزء والباقي الأكبر من المبلغ المالي يتم الاحتفاظ به في دول معينة وقد أضافت المصارف مع تجارها المتعاونة معهم طريقة جديدة لإكمال فصول التحايل هي دفع الضرائب والتعرفة الكمركية على هذه البضائع سواء أدخلت بشكل جزئي أو حتى لم تدخل لكي تعطيها صفة شرعية وبتواطؤ من متنفذين كبار حكوميين.

• الحوالات الفضائية: هي طريقة تستخدمها المصارف بالقيام بإجراء حوالات لتجارها الذين صنعتهم أو شركاتها بحجة الاستيراد من الخارج وتخرج هذه الأموال ولا تعود مقابلها أي بضاعة للعراق بل تسحب الأموال في تلك الدول وتبقى في المصارف الخارجية المالكة لمصارف خاصة في العراق أو تستثمر في تلك الدول أو يتم جلب بضائع لصالح تلك الدولة المالكة للبنك الخارجي, وفي نهاية العام الماضي كان قد كشف عن قيام المصرف الأهلي العراقي بهذه العملية وقد أغلقت مقابل رشوة بمبلغ مالي كبير بعدما احتجز أغلب الذين يديرون هذا المصرف المملوك بنسبة 77%.

• التلاعب بالفواتير: هي طريقة تستخدمها المصارف من خلال القيام بتضخيم حجم الفواتير التجارية لغرض الاستيراد, فعلى سبيل المثال في حال كانت قيمة الفاتورة الحقيقية (2 مليون دولار) تقوم على الأقل بتضخيمها للضعف لغرض سحب أكبر قدر من دولار ومن ثم إخراجه من العراق والذي يستخدم بتمويل جهات ميليشياوية في العراق واستثمارات للحرس الثوري الإيراني مثل الشركة الإيرانية للاستثمار الأجنبي التي تملك استثمارات خارجية كثيرة أو تمويل حزب الله اللبناني الذي تنتعش استثماراته في العراق والأردن أو تمويل استثمارات جهات حزبية عراقية ولائية تملك استثمارات كبيرة في الإمارات وتركيا وبعض الدول المجاورة, وكانت سابقا الخزانة الأمريكية قد كشفت عن واحدة من أكبر عمليات تهريب الدولار بالفواتير المضخمة والمزورة لعضو مجلس النواب السابق حمد ياسر الموسوي مالك مصرف الهدى المعاقب والشريك بالمصرف الأهلي العراقي بتهريب 6 مليار دولار عبر بنوك بعض البنوك في دول الجوار.

إن الدولار الذي تبيعه نافذة بيع العملة في البنك المركزي والمتأتي من واردات النفط العراقية يستنزف بشكل خطير من قبل المصارف الأهلية مهيمنة على نافذة بيع العملة وهي مملوكة لدول أخرى، وتتسابق بنوك الدولية للدخول إلى العراق بالتواطؤ من المتنفذين في العراق لغرض الاستحواذ على العملة الصعبة وتهريبها لدولهم, وكان البنك المركزي قد منح بعض البنوك الدولية إجازة للعمل في العراق مع أنها متهمة بجرائم مالية ومنع العراقيين من تسلم إدارة الأقسام الإدارية في العراق, مع أن بعض البنوك قد تم كشفها من قبل اللجنة المالية النيابية والخزانة الأمريكية, وأيضا هناك مساع لمنح بنوك أخرى إجازة عمل في العراق لتكتمل فصول نهب الدولار وسط غياب دور بالبنك المركزي بضبط عمل المصارف ومحاسبتها, بل أصبحت هذه البنوك الأجنبية هي من تتلاعب في البنك المركزي من خلال المتنفذين, أما أفرع البنوك اللبنانية والإيرانية فهي واجهات اقتصادية ومالية للميليشيات رغم عدم دخولها الآن إلى نافذة بيع العملة لكنها ارتكبت جرائم مالية خطيرة سابقا بتهريب الدولار, يضاف لذلك البنوك التركية والإماراتية في العراق التي ثبت عليها جرائم مالية وما زالت عاملة, وتستغلها واجهات أحزاب وميليشيات لتحريك الدولار بأكثر من اتجاه, وهناك حاليا تسابق من قبل الدول الإقليمية لفتح أفرع مصارفها في العراق لغرض الاستحواذ.

مقالات متعلقة