الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مستقبل الاقتصاد السوري في ظل التحرير بين إعادة الإعمار والعقوبات

مستقبل الاقتصاد السوري في ظل التحرير بين إعادة الإعمار والعقوبات

بقلم. حوراء الياسري

باحثة اقتصادية

الاقتصاد في سورية صعب ومعقد ويتأثر بالعديد من الأمور مثل النزاعات، والأوضاع الأمنية والعقوبات وعمليات إعادة البناء وهناك بعض المؤشرات المهمة التي تحدد طبيعة الاقتصاد السوري في القريب المنظور منها:

  • الاستقرار الأمني

عندما تنخفض حدة النزاع في بعض المناطق قد تبدأ سورية في التركيز على جهود إعادة البناء، وهذا يحتاج إلى استثمارات كبيرة ومساعدة من الدول الأخرى, يمكن أن تعمل الحكومة السورية الجديدة على جذب المستثمرين الأجانب خصوصًا في المجالات المهمة مثل الطاقة والمشاريع الأساسية.

  • التأثيرات الاقتصادية في المنطقة

العلاقات مع الدول القريبة خاصة مع دول الخليج أو تركيا، يمكن أن تؤثر في الاقتصاد في سوريا.

  • العقوبات الاقتصادية

العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على الحكومة السورية قد تستمر في إعاقة الاقتصاد، لأنها تؤثر في التجارة والاستثمار.

  • الأوضاع المعيشية

الأزمة الاقتصادية الحالية تقلل من فرص الحياة لدى الناس، مما يؤثر في استهلاكهم والنمو الاقتصادي.

  • اقتصاد الظل " الكبتاغون "

بما في ذلك تجارة الكبتاغون، يؤثر إلى حد بعيد على الاقتصاد السوري، خاصة في الأوقات الصعبة التي تعيشها البلاد.

هذه التجارة وغيرها من الأنشطة غير القانونية تساهم في دخول عملة صعبة إلى البلاد، وهذا يمكن أن يعطي تأثيرًا جيدًا لفترة وجيزة عن طريق زيادة الأموال المتاحة في السوق المحلي.

يمكن أن يؤثر اقتصاد الظل على الاقتصاد الرسمي بشكل سلبي، حيث تتجنب الكثير من الشركات دفع الضرائب أو الالتزام بالقوانين, وهذا يقلل من إيرادات الحكومة، ويؤثر على نحو سيئ على الخدمات العامة, كما أن تجارة الكبتاغون وتهريب المخدرات تزيد الفساد في الحكومة والأمن, هذا الفساد يمكن أن يضعف الدولة أكثر ويستمر في الاقتصاد غير القانوني, بالإضافة إلى مشاكل اجتماعية وصحية كبيرة فهي تزيد نسبة الإدمان والجرائم، مما يؤثر سلباً على المجتمع والاقتصاد.

يمكن أن تستفيد الجماعات المسلحة من الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، مما يساعد على استمرار النزاع وعدم الاستقرار وهذا يعرقل جهود إعادة البناء والتنمية الاقتصادية الشاملة لذا، على الرغم من أن اقتصاد الظل قد يقدم بعض المكاسب المالية السريعة، إلا أن نتائجه على المدى الطويل تعتبر خطيرة وغير قابلة للاستمرار كل هذه المؤشرات تؤثر بشكل رئيسي على أهم ملف من ملفات الحكومة السورية الجديدة وهو ملف إعادة الإعمار، حيث تشهد العديد من المدن والمناطق في سورية حاجة ماسة إلى إعادة بناء أساسياتها مثل المنازل والطرق والخدمات العامة.

إن مستقبل إعادة الإعمار في سورية يعتمد على الاستقرار السياسي والأمني، والتمويل، كما أسلفنا ليتسنى للحكومة الجديدة أن تحقق تقدمًا في هذا المجال، حيث إن استمرار النزاعات، أو ظهور توترات جديدة، يعيق جهود الإعمار وستتأثر سلبًا, أما بخصوص التمويل قد يكون من الصعب الحصول على هذه الأموال؛ بسبب العقوبات الاقتصادية على النظام السوري لذا لا بد من رفع العقوبات المفروضة على سورية لفتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي الذي سيكون مهمًا لجذب الأموال المطلوبة لإعادة البناء، ولكن يجب تغيير السياسات والظروف الاقتصادية لجذب المستثمرين ومنظمات المجتمع المدني الدولية التي توفر الدعم الإنساني ويجب أن تترافق جهود إعادة الإعمار مع تقديم المساعدة الإنسانية للسكان الذين تأثروا بالصراع وهذا يحتاج إلى تنسيق كبير بين المنظمات الدولية والدول التي تقدم الدعم.

وإن أهم الدول الداعمة لعملية إعادة الإعمار هي روسيا بكل تأكيد بشكل عام، تسعى روسيا لتحقيق مجموعة من المصالح الاقتصادية والإستراتيجية والسياسية في سوريا، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي ومواردها الطبيعية, تتجاوز طموحات روسيا في الاستثمارات في سورية الأهداف العسكرية والسياسية لتشمل عدة قطاعات اقتصادية وإستراتيجية وأهم تلك القطاعات هو النفط: تمتلك روسيا استثمارات في قطاع النفط السوري، حيث تعمل شركات روسية مثل "زاروبيج نفط" في مجال التنقيب والإنتاج. تعتبر سورية بوابة محتملة لتصدير النفط إلى أوروبا.

الغاز: هناك اهتمام كبير بالاستثمار في احتياطيات الغاز البحرية في البحر المتوسط مما يعزز من إمكانية تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر سورية, بعد استقرار الأوضاع ستتحول سورية إلى ساحة واسعة لإعادة الإعمار وقد تسعى روسيا للحصول على عقود لبناء البنية التحتية، وتجديد المحطات الكهربائية وتنفيذ المشاريع السكنية.

وتمتلك سورية احتياطات ضخمة من الفوسفات، وهناك استثمارات روسية في هذا المجال خصوصاً في الاستخراج والتصدير, كما توجد تجربة مبكرة للاستثمار الروسي في الأراضي الزراعية السورية، حيث تهدف روسيا إلى استغلال الأراضي الخصبة لتصدير المنتجات الزراعية أما بالنسبة للموانئ، فإن ميناء طرطوس يعتبر ذا أهمية إستراتيجية كقاعدة للبحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط، مما يعزز من نفوذ روسيا عسكرياً واقتصادياً كما تبذل روسيا جهوداً لتعزيز اللغة والثقافة الروسية في سورية، مثل افتتاح المدارس الروسية مما يعكس اهتماماً بالاستعمار الثقافي بجانب الاستثمارات الأخرى.

أما الصين فهي الأخرى لديها الرغبة في الاستثمار في سورية، ولكن هذه الرغبة تتأثر بذات العوامل، السياسية والاقتصادية والأمنية, وتطمح الصين لتعزيز مبادرة "الحزام والطريق"، من خلال الاستثمار في البنى التحتية والموانئ حيث تمثل موانئ مثل طرطوس واللاذقية أهمية إستراتيجية لتوسع الصين في البحر الأبيض المتوسط ، كما يمكن أن تبدي الصين اهتمامًا بالمساهمة في جهود إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية، خاصة في المناطق التي تم تحريرها, بالرغم من أن سورية ليست دولة رئيسية في إنتاج النفط، إلا أن هناك اهتمامًا بالاستثمار في مجالات الطاقة النظيفة والمتجددة. تسعى الصين لإنشاء منطقة صناعية مشتركة في سورية، مما يدل على رغبتها في تعزيز التجارة والصناعة بين البلدين.

ومع ذلك يواجه الاستثمار الصيني في سورية تحديات كبيرة مثل العقوبات الأمريكية والأوضاع الأمنية غير المستقرة، مما يحد من إمكانية تنفيذ المشاريع الكبيرة في الوقت الحالي بشكل عام، وترى الصين في سورية فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط، لكن تنفيذ هذه الخطط معقد ويعتمد على تطورات الوضع السياسي والاقتصادي في المنطقة.

كما نتوقع أن تتبوأ دول الخليج الكبرى دورًا بارزًا في استثماراتها في سورية من خلال ملف إعادة الإعمار من خلال امتلاك دول مجلس التعاون الخليجي وبالخصوص السعودية والإمارات خبرات غنية في مجال إعادة الإعمار، مما يمكنها من المساهمة في البناء والتطوير للبنية التحتية، بما في ذلك الطرق والموانئ والمطارات والمنشآت العامة والمساكن, أما في مجال الاستثمارات في الطاقة والموارد الطبيعية وأهمها النفط والغاز، هناك اهتمام متزايد من دول الخليج لاستغلال احتياطيات النفط والغاز، خاصة بعد تحرير المناطق من السيطرة السابقة.

أما الخدمات والسياحة يمكن أن تُعيد سورية إحياء مكانتها كوجهة سياحية تاريخية، مما يفتح آفاقاً استثمارية لدول الخليج، التي تمتلك خبرات واسعة في تطوير المنتجعات والفنادق.

وبخصوص الخدمات المالية يتطلب بناء قطاع مالي قوي في سورية جذب البنوك والشركات الخليجية، التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تمويل مشاريع الاستثمار, ومن المتوقع أن تقدم دول الخليج مساعدات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، مما يسهم في جذب الاستثمارات الجديدة وتحسين بيئة الأعمال, يمكن أن يكون تعزيز النفوذ الإقليمي عبر الاستثمارات هدفاً إستراتيجياً، حيث تسعى دول الخليج لمواجهة أي تأثير إيراني أو غيره في سوريا بعد انتهاء حكم الأسد.

من المهم الإشارة إلى أن هذه الاستثمارات تعتمد بشكل كبير على الاستقرار السياسي الجديد في سورية، ورفع العقوبات الدولية، بالإضافة إلى الوضع الأمني. كما أن الهدف النهائي لدول الخليج قد يكون تعزيز نفوذها الإقليمي وتحقيق توازن القوى في المنطقة.

أما دور العراق في الاقتصاد السوري في المستقبل القريب سيكون متنوعًا ومعقدًا بسبب العلاقات الجغرافية والسياسية والاقتصادية بين البلدين, حيث لوحظ في السنوات الأخيرة أن التبادل التجاري بين العراق وسورية محدود نسبيًا, وتشير البيانات إلى أن صادرات سوريا إلى العراق في عام 2023 لم تتجاوز 58 مليون دولار، بينما كانت صادرات العراق إلى سورية حوالي 27 مليون دولار هذا يدل على أن التجارة ليست لها تأثير كبير على الاقتصاد السوري في الوقت الحالي، ولكن قد تكتسب أهمية في المستقبل مع تطورات الوضع السياسي.

أما العلاقات المصرفية والاستثمارية توضح المؤشرات أن العلاقات المصرفية بين البلدين غير موجودة نتيجة العقوبات المفروضة على سورية، مما يعيق الاستثمارات العراقية المباشرة في سورية ومع ذلك هناك بعض الخطط الاستثمارية العراقية الطموحة لمستقبل العلاقات، مثل تصدير الطاقة والاستيراد من البحر الأبيض المتوسط عبر سورية.

بسبب النزاع المستمر في سورية، يمكن أن يؤدي أي تحسن في الوضع السياسي إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع العراق، خصوصًا في مجالات مثل الطاقة والزراعة.

الأوضاع غير المستقرة في سورية قد تؤثر على تكاليف النقل والشحن، مما ينعكس على أسعار السلع المستوردة بين البلدين, كما يمكن أن يسهم الاستقرار الأمني في سورية في تعزيز التجارة مع العراق، خاصة في المناطق القريبة من الحدود وقد يكون لهذا تأثير إيجابي على الاقتصاد السوري من خلال زيادة الاستيرادات والصادرات وتعزيز الاستثمارات المشتركة على الرغم أن العراق لا يلعب دورًا بارزًا في الاقتصاد السوري حاليًا، فإن التطورات في الوضع السياسي والأمني قد تجعله لاعبًا أكثر تأثيرًا.

مقالات متعلقة