مسرحية أكتوبر.. ومشاهد ساخنة ..
بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
خلال أسبوعين فقط اخترقت ثلاث دول على الأقل المجال الجوي العراقي وهي تركيا وإيران وإسرائيل بالإضافة إلى عدد من الميليشيات الداخلية التي تزعم أنها تطلق طائرات مسيّرة على أهداف إسرائيلية أو أمريكية في المنطقة.
التحدي الأكبر الذي يواجه العراق هو حماية سيادته ومصالحه في ظل انقسام داخلي وصراع إقليمي هو الأعنف منذ حرب تشرين عام 1973.
كيف يمكن للعراق السيطرة على ميليشيات داخلية تسعى لزجه في صراع إقليمي عسكري وسياسي وجيوسياسي. وكيف يمكن الحفاظ على مصالحه كدولة ضعيفة وسط قوى إقليمية ودولية كبيرة تتنافس على أرضه. يحدث كل ذلك في ظل دولة تدار من قبل أحزاب يغلب عليها الفساد وتركز على جمع الأموال وحماية مصالحها الفردية والحزبية.
الأغرب من ذلك أن مجلس النواب العراقي الذي فشل حتى في انتخاب رئيس جديد له، منشغل بمناقشة قانون تزويج القاصرات وزيادة رواتب النواب.
الهجوم الإسرائيلي على إيران يوم السبت المصادف ٢٠٢٤/١٠/٢٦ الساعة الثانية فجرا. محدودا بشكل كامل كما بدأ إعلاميا هل كان بروفة لتشكيل الضربة الأولى التي يمكن أن توجهها إسرائيل إلى إيران قبل الشروع في حملة جوية حقيقية على إيران؟ الجواب طبعا لا، والدليل تجنبت إسرائيل إرسال طائراتها للتحليق فوق الدفاعات الجوية الإيرانية وعوضا عن ذلك أطلقت مسيراتها المتقدمة لضرب بطاريات الدفاع الجوي الإيراني، بينما اكتفت مقاتلاتها الأكثر تقدما بالقصف من خارج مجالات الدفاعات الإيرانية إمعانا في الاستعراض.
لقد جاءت الضربة لمجرد رفع عتب لحفظ بعض ماء الوجه، وأما الرد الإيراني، فكان بنفي دخول الطائرات الإسرائيلية الأجواء الإيرانية، ولم تؤد إلى أي خسائر سوى قتيلين من الجيش الإيراني.
ضربة إسرائيل لإيران بمائة طائرة وكما تم الاتفاق لم يتم ضرب مواقع نووية أو بنية تحتية ولا بترولية وإيران تهون من قيمة الضربة بينما إسرائيل تضخم فيها ويوجد حرب إعلامية الآن أما الحرب العسكرية المدمرة هي مع الأتباع والأذرع لأن الدم الفارسي غالى على أصحابه وعلى أمريكا وإسرائيل.
هل ذلك الهجوم مثل انتصارا سياسيا أو قل إنجازا لإيران بالنظر إلى اعتباره استعادة أو تأكيد لتوازن الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل، وهو توازن حال استمراره يتوج إيران كقطب إقليمي ويحد من الهيمنة الإسرائيلية، ويفرض حسابات معقدة لسائر الفاعلين إقليميا
أم إنها مسرحية حرب الجبناء الدائرة الآن بين طهران وتل أبيب بضبط أمريكي دقيق الإيقاع المنخفض والتي ابتدأت منذ فترة لتفضح الحقيقة الساطعة بأن الحروب التدميرية شديدة الإيلام هي فقط على المدنيين والأطفال العُزل الأبرياء في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق .
لطالما كانت إيران وإسرائيل أصدقاء تاريخيين ولن يؤذون بعضهم البعض والسيناريو يسير في خطته المفترضة والمعلومة مسبقا .
ستبدأ فترة جديدة من الدراما الإيرانية الإسرائيلية والمسرحية الهزلية الساخنة وما وراء الكواليس حيث ستكون العلاقة بين إيران وإسرائيل اتسامها بالتوتر والصراع حيث ستعتبر إيران إسرائيل خصماً رئيسياً في المنطقة أمام الإعلام؛ كي تستمر أجزاء المسرحية، كما شاهدنا في الفترة السابقة من المسرحية..
(الجزء الأول) إيران كانت الداعم للجماعات المسلحة المعادية لإسرائيل مثل حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، مما يعزز من موقفها في الصراع في المقابل تقوم إسرائيل بعمليات ضد الأهداف الإيرانية في سوريا التي تعتبر تهديداً للأمن الإسرائيلي.
أما (الجزء الثاني) من المسرحية كان البرنامج النووي لدى طهران وكيف تخشى إسرائيل من برنامج إيران النووي، وتعتبره تهديداً وجودياً لذلك قامت بتنفيذ استراتيجية تهدف إلى منع إيران من تطوير أسلحة نووية
(الجزء الثالث) هو الدبلوماسية الإقليمية حيث تسعى إيران إلى زيادة نفوذها في الشرق الأوسط، بينما تسعى إسرائيل إلى تشكيل تحالفات مع دول عربية لمواجهة النفوذ الإيراني كما هو الحال مع اتفاقيات إبراهيم التي وقعتها مع بعض الدول العربية.
(الجزء الرابع) تتسم العلاقة بالتعقيد والصراع المستمر مع تأثيرات كبيرة على الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة مع وجود المسرحية المتبادلة بين إيران وإسرائيل والتي هي مجرد ردود بسيطة بين الطرفين لا ترقى إلى ضربات موجعة بل مجرد رفع عتب لا أكثر كي تثبتوا للعالم لا وجود لاتفاق ثنائي مشترك بينهم
بينما فلسطين غزة دفعت الثمن الغالي لكي تستفيد طهران، وأتت حرب الإسناد التي قررها حزب الله أيضاً لتصب في تجميع إيران الأوراق التفاوضية لها على حساب شعوب المنطقة.
)الجزء الخامس) حدود ضربة إسرائيل لإيران يعني أن صناع القرار في الولايات المتحدة ما زالوا يتبنون نهج الاستثمار في النظام الإيراني، وهذا أعلى من نهج الاحتواء، التي يظنها البعض... باختصار إيران خدمت بسياساتها، بشكل غير مباشر، الولايات المتحدة وإسرائيل بتخريب بني الدولة والمجتمع في المشرق العربي، وكبعبع ضد أنظمة الخليج عبر اليمن، وهي قدمت لها العراق على طبق من فضة بعد إسقاطها نظام صدام وسكتت عن صعود نفوذها في لبنان وسوريا واليمن.
(الجزء السادس) إيران استعرضت قوتها في الصواريخ الباليستية عندما وصلت إلى تل أبيب من دون أن تحميها القبة الحديدية.
وإسرائيل استعرضت قوة طائراتها فوق سماء طهران، من دون أن تتعرض لها الدفاعات الجوية.
أما القتل والتهجير ضد الأبرياء في غزة ولبنان سيستمر لأنه لا يوجد رادع له.
وأقوى مشاهد المسرحية التي عرضت في أكتوبر من هذه السنة والتي كان أبطالها إيران وإسرائيل هو قتل يحيى السنوار قائد حماس واغتيال حسن نصر الله قائد حزب الله ..
لقد جمع نصر الله القيادتين العسكرية والسياسية في حزب الله بالإضافة إلى البعد الديني والعلاقة العضوية مع مرشد الثورة في إيران، علي خامنئي. أما السنوار فلم يجمع سوى مؤخراً بين القيادتين السياسية والعسكرية.
ترك السنوار خلفه مجتمعاً مدمراً، لكن مناصريه يرونه بطلاً من خلال التركيز على أنه قُتل وهو يحمل السلاح. في المقابل، ترك نصر الله بيئته الحاضنة مدمرة ومُهجرة بعدما فقدت كل ما كانت تملك. كما ترك راعيه الإقليمي قلقاً على مصير نظامه.
كل هذه لا تصدقوا القصص والسينيورهات والتي كانت ورائها أمريكا لتبين للعالم أن إيران تجاوزت حدودها مع إسرائيل لذا المسألة لا تتعلق بقصم ظهرها وإنما كسر أطرافها وتأديبها وربما إعادتها إلى حجمها داخل حدودها.
هذا حدث في عهد بوش الابن، وأوباما، وحتى في عهد ترامب، واستمر مع بايدن وسيحصل ذات الأمر على الأرجح مع هاريس أو ترامب الجديد.
بعبارة أخرى هناك اتفاق بين إسرائيل وإيران على تقاسم العداء مع العرب فبدلا من أن تظل إسرائيل البعبع والعدو الوحيد للعرب في المنطقة، تتقاسم العداء مع إيران، بحيث يخف الضغط على إسرائيل. ولو نظرنا الآن لوجدنا ثمرات هذا الاتفاق على الأرض ألم يصبح غالبية العرب ينظرون إلى إيران على أنها أخطر عليهم من إسرائيل وبالتالي، فإن كل العداء هذا الظاهر بين الصفيوني والصهيوني مجرد ضحك على الذقون أما الخوف الإسرائيلي من الوجود الإيراني في سوريا ولبنان فقد أصبح نكتة سمجة لم تعد تنطلي على تلاميذ المدارس.
قد يشرح هذا لنا بعض تفاصيل التفاوض الذي جرى في الأيام الماضية بوساطة أمريكية بين إيران وإسرائيل وأحد الأثمان التي اتفق الطرفين على دفعها فيه، ويشرح لنا قول نتنياهو بأنه لن يضرب أهداف نووية، وكذلك سبب عدم قيام إسرائيل بضربتها حتى الآن. إيران ماضية في بيع كافة أوراقها وحرقها إرضاءً لأمريكا وإسرائيل. علينا الآن الانتظار حتى حصول الانتخابات الأمريكية وبعدها سنرى المفاعيل البنيوية لكل ما نراه الآن. السياسة علمتنا أن لا نأخذ أبدا بظاهر الأمور مهما كانت مشتعلة إعلاميا فالحقيقة لا تجدها في وسائل الإعلام ولا في التصريحات السياسية النارية بل تجدها على أرض الواقع. وقد أخبرنا الفلاسفة الإغريق أن لا نركز على ما يقوله الساسة بل على ما يفعلونه على الأرض. ولو نظرنا إلى ما فعلته إسرائيل وإيران على الأرض نجد أن الطرفين حلف واحد يتقاسم العالم العربي بالمسطرة والقلم.