الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مسلسل تصفية المعتقلين في سجون السلطة

مسلسل تصفية المعتقلين في سجون السلطة

بقلم| عمر الحلبوسي (كاتب وباحث عراقي)

منذ عام 2003 امتلأ العراق بالسجون السرية والعلنية التي أضحت عبارة عن مسالخ بشرية ترتكب فيها أبشع جرائم القتل والتصفية بحق الأبرياء الذين اعتقلوا بتهم ملفقة أو بقضايا طائفية عملت عليها أحزاب السلطة وميليشياتها التي كانت أشد إجراما من فظائع المغول, فقد كشفت المنظمات ووسائل الإعلام جرائم ميليشيا لواء الذئب ومغاوير الداخلية بحق المعتقلين، بقيادة اللواء عدنان ثابت الجبوري وإشراف الكولونيل الأمريكي جيمس ستيل، وقد جعلوا من المكتبة العامة في سامراء وسجون الجادرية مسرحا لارتكاب جرائمهم البشعة من قتل واغتصاب المعتقلين وتصفيتهم

وقد كشفت مصادر عام 2007 أن قوات مغاوير الداخلية كانت تستلم يوميا من (10_20) معتقلا سنيا تقوم بتصفيتهم وتلقي جثثهم في شوارع بغداد كل ذلك يجري بعلم القوات الأمريكية التي كانت تستخدم ما يعرف بأسلوب الحرب القذرة.

أسست أمريكا سجون كثيرة في العراق وعينت الكولونيل جيمس كوفمان بمنصب مستشار خاص بمراكز الاعتقال في العراق، واستطاع الصحفي جوليان اسانج كشف عمليات تعذيب وقتل للمعتقلين على يد القوات الأمريكية والقوات العراقية التي تشكلت من الميليشيات المدعومة من إيران, ونشرت هذه الفضائح ويكيليكس وثبتتها بالوثائق، وكانت صحيفة الكارديان البريطانية وشبكة BBC قد كشفتا أيضا تورط ستيل وكوفمان في ارتكاب مجازر بحق المعتقلين في السجون التي كانا يشرفان عليها. بل بدأن حقبة مأساوية ضد المعتقلين عندما تسلم باقر صولاغ غلام خسروي وزارة الداخلية (2005_2006) وعُرف حينها (بوزير الدريل)

فارتفعت جرائم التعذيب والقتل بأبشع صورها خلال هذه الفترة؛ لأن صولاغ كان يستخدم المثقاب الكهربائي الدريل بتعذيب المعتقلين وثقب أجسادهم وقلع عيونهم وحرق أجسادهم بالأحماض الكيماوية, حتى أنه كان يتفاخر بأنه هو من ابتكر طريقة المثاقب الدريل لتعذيب المعتقلين السنة, وقد كشف بعض ذوي المعتقلين من الأنبار أن صولاغ قام بإعدام أبنائهم وتقطيع أجسادهم ثم إعادة ربطها ببعضها باستخدام المسامير المسننة والعزقات التي قتل بها المئات من المعتقلين.

وتنوعت جرائم صولاغ حتى أنه داهم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي واختطفت منها (150 موظفا سنيا) عثر عليهم فيما بعد ممزقي الأجساد من كثرة الرصاص الذي تعرضوا له، وعرفت الجريمة في وقتها (بمجزرة وزارة التعليم), ولم يكتف بذلك بل إن جرائمه طالت المرضى من أهل السنة الراقدين في المستشفيات فاعتقل المئات منهم ثم قام بالإشراف على تعذيبهم وقتلهم ورمي جثثهم في شوارع بغداد التي لم يخلوا شارع إلا وكان شاهدا على أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق العراقيين، وقد عرفت هذه الجرائم في حينها ب(جثث الشوارع)

ولم تسلم المنازل من إجرام وزارة الداخلية بقيادة صولاغ فكان يقتحم مناطق معينة في بغداد ويداهم منازلها ويعتقل شبابها ثم بعد ذلك يقوم بالإشراف على إعدامهم وعرفت حينها (بالتصفية اليومية) فضلا عن سجن الجادرية السري الذي كان يضم معتقلين سنة (رجالا, ونساء, وأطفالا) وكانت قوات صولاغ ترتكب فيه أبشع جرائم التعذيب وتجري فيه إعدامات جماعية.

ثم كشفت جرائم أخرى بشعة قام بها وزير العدل المعمم السابق حسن الشمري عضو حزب الفضيلة الذي تولى منصب وزير العدل بين عامي (2010_2014) وقد استخدم مادة أربعة إرهاب التي باتت تعرف بعهده (أربعة سنة) لاعتقال الأبرياء من أبناء السنة رجالا ونساء وأطفالا ومارس أبشع جرائم التعذيب والتصفية بشكل يومي ممنهج في سجون الوزارة التي باتت تعرف بالسلخانة البشرية؛ وقد كانت ساحات العزة والكرامة قد كشفت هذه الجرائم عندما استقبلت بعض المعتقلين والمعتقلات الناجين من سجون الشمري لتحدثوا عن فظائع الجرائم والتعذيب والاغتصاب التي يتعرض لها المعتقلون والمعتقلات وجرائم التصفية التي كانت تتم في السجون أو كانت عبر تنفيذ أحكام الإعدام الطائفية, وقد شهدت هذه الحقبة المؤلمة ارتفاع عمليات الإعدام بشكل كبير جدا؛ وقد كشفت منظمة العفو الدولية وهيومن راتيس ووتش جرائم إعدامات تنفذها وزارة العدل بحق المعتقلين تهمتهم بأنهم (سنة العراق), وفي آخر عهده عام 2014 قام بارتكاب مجارز داخل سجن الكاظمية وسجن الحوت بحق المعتقلين وجرى تسليم جثثهم إلى عوائلهم وتغييب آخرين؛ ولأن جرائم الشمري وصفت بجرائم الإبادة الجماعية؛ طالبت بعض المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بمحاسبة الوزير بتهمة جرائم ضد الإنسانية, لكن الحكومات في العراق تتجاهل كل هذه الجرائم وتشارك المجرمين فيها.

وما أن حل عام 2015 حتى ارتفعت جرائم التصفية بحق المعتقلين, إذ قامت ميليشيا عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وبتواطأ من ضباط الداخلية بالهجوم على سجن الخالص في محافظة ديالى وارتكاب مجزرة بحق المعتقلين بإعدامها (60 معتقلا سنيا) وعرفت المجزرة حينها بمجرزة (سجن الخالص) وقد ارتجبت هذه الجريمة في عهد وزير الداخلية محمد الغبان أحد عناصر ميليشيا بدر الذي واصل جرائم التصفية بحق المعتقلين السنة، حتى أنه كان يرسل عشرات الجثث للدفن تحت مسمى جثث مجهولة الهوية عبر متعهدين تابعين لميليشيا بدر التي حصلت على عقد دفن المعتقلين بملايين الدولارات.

واستمر مسلسل جرائم تصفية المعتقلين في السجون الحكومية والميليشياوية حيث تشهد السجون تصفيات فردية وجماعية بشكل ممنهج للمعتقلين, ففي يوم (24 /11/2021) كشف عن قتل 12 معتقلا سنيا في سجن الناصرية المركزي تم اعتقالهم بين عامي (2013_2014) وتم تسليم جثثهم إلى عوائلهم بشكل غامض وإجبروا على دفنهم ليلا ولم تمضي إلا ستة أيام حتى أعلن عن تصفية المعتقل (وليد سليمان مدخر الخليفاوي) في سجن التاجي وهو من أهلي منطقة العنكور في محافظة الأنبار جرى اعتقاله بتهمة المخبر السري وسلم إلى عائلته مع تقرير على أنه توفي بمرض, لكن عائلة المعتقل بينت أنه قتل جراء التعذيب الذي تعرض له, وبعد ثلاثة أيام كشف عن قتل المعتقل (بلال ياسين رشيد) من أهالي ديالى تمت تصفيته داخل سجن التاجي بعدما قضى 15 عاما ظلما في السجن, وكانت عائلة المعتقل قد زارته قبل أيام وهي تستعد لتسلم ابنها بعدما أنهى محكوميته لكنها تسلمته جثت هامدة, وفي اليوم التالي كشف عن تصفية المعتقل (ثامر مصحب حسين الخفاجي) في سجن (العدالة الثاني الكاظمية) الذي تدهورت حالته الصحية ونقل إلى المستشفى ثم توفي هناك وكشف التقرير الطبي أنه قتل جراء دس السم في الطعام وكان مصدر من داخل السجن قد كشف عن تعرض عدد من المعتقلين مع الخفاجي لعملية تسمم جماعي, وفي اليوم الذي يليه أعلن عن مقتل المعتقل (محمد محمود خليل) من سكان قضاء الطوز في محافظة صلاح الدين في سجن الكفل الجديد في محافظة بابل وأوضحت عائلة المعتقل أن آثار التعذيب واضحة على جسده.

إن مسلسل تصفية المعتقلين بشكل ممنهج يوميا في السجون يجري على مسمع ومرأى من السلطتين التشريعية والتنفيذية الذين لم يحركوا ساكنا ولم يكشفوا عما يحصل في السجون من جرائم بشعة تتكرر بشكل مستمر دون أن يتم محاسبة المجرمين الذين نفذوا الجرائم بحق معتقلين أبرياء تهمتهم بأنهم من سنة العراق.

مقالات متعلقة