الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مقال خاص| الجيش العراقي: مؤسسة للتحصين ودرع خارجي

مقال خاص| الجيش العراقي: مؤسسة للتحصين ودرع خارجي

بقلم| د. مثنى عبد الله

تحتفل الشعوب برموزها لأنها تتمثل بها؛ وقد يذهب الاعتزاز والفخار بها إلى حد أن البنيان الوطني الذي يبدو قويا راسخا شامخا قد يتعرض للشرخ ثم السقوط أن سقطت. والجيوش في وضعها الطبيعي حيث تمثل حصنا منيعا للأمة ودرعا لمواجهة المخاطر والتحديات والتهديدات هي إحدى هذه الرموز المهمة، وتأتي هذه الأهمية من كون الجيش هو الوسيلة الفاعلة في جعل الكرامة والعزة الوطنية شيئا ملموسا في حياة الشعوب، تبعا للعقيدة العسكرية التي ترتكز على قيم الشجاعة والغيرة والعطاء الذي ليس له حدود من أجل الشعب والوطن.

وليس جديدا أن قلنا بأن الجيش العراقي قد شكّل في وجدان وضمير العراقيين والعرب رمزية كبيرة بسبب ارتباط أسمه وفعله بقضايا وطنية وعربية، كما أنه بات مدعاة فخر واعتزاز بسبب تسجيله حضورا مميزا بين الجيوش الوطنية على صعيد المنطقة العربية والشرق الأوسط، بعد أن نال باحترافيته وقوته وشجاعته وما يتمتع به من إمكانات مادية ومعنوية مراتب تصنف عليا، ولقد وضعته هذه المواصفات كهدف دائم في أجندات دول إقليمية في المنطقة كإسرائيل وإيران، اللتين فشلت كل مخططاتهما في التوسع والهيمنة على المنطقة بعد أن استطاع من دحرهما في أكثر من موقعة، وكذلك قوى دولية كان على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تنظر بعين الريبة إلى الجيش العراقي وإمكاناته وتطوره بعد أن تجاوز الكثير من الخطوط الحمر التي رسمتها واشنطن للجيوش المحلية في المنطقة، وهنا كان الغزو الأمريكي في العام 2003 هو الفرصة الذهبية لتصفية حسابات هذه القوى مع الجيش العراقي كمؤسسة وليس قيادات وحسب؛ حيث تحركت لتنفيذ أجنداتها في إضعاف هذه المؤسسة الوطنية والنيل من رمزيتها الوطنية والعربية بتفكيكه وإعلان حله، ثم تعريض قادته والآمرين فيه إلى عمليات التصفية الجسدية والاعتقالات، ولعل السبب الأكبر الذي دفع هذه القوى لكل هذه الأفعال هو أدراكها بأن مؤسسة الجيش ترتبط ارتباطا وثيقا بصنع قوة ومكانة العراق كدولة، ولأن الهدف الأكبر كان تدمير الدولة، فقد كان التحرك الأول والأوسع هو تدمير كل المنظومات التي تشكل بُنى تحتية لقوة العراق، فالجيش العراقي كان هو المرحلة الأهم من مراحل عمر الدولة العراقية، وبقي طوال عقود هو الرمز الكبير على قوة الدولة وقدرتها.

أما الطائفيون الذين تولوا زمام الأمور بعد الاحتلال فقد كان هدفهم من تدمير المؤسسة العسكرية العراقية لا يقل خُبثا عن هدف أسيادهم الأمريكان والإيرانيين، فالشعارات طائفية والمنهج والممارسة والسلوك اليومي كلها طائفية، وبالتالي لا يمكن أن يستقيم المنهج الطائفي مع مؤسسة تُعتبر هي المصنع الأول للهوية الوطنية في العراق، فهم يعرفون جيدا بأن العقيدة العسكرية العراقية عززت الانتماء الوطني من خلال صهر الجميع بغض النظر عن طوائفهم وقومياتهم وأديانهم في مدرستها الأخلاقية، كما كان المنهج التدريبي والسوقي، الذي يعتمد خارطة الوطن بصورة عامة مكانا لتوزيع القطعات ومراكز التدريب والمدارس العسكرية والمجندين بغض النظر عن أماكن سكناهم عاملا مهما في ترسيخ اللحمة الوطنية وتعزيز الشعور الوطني، لذلك صبوا جام غضبهم على مؤسسة الجيش الوطني، واستهزؤوا بتاريخها وحمّلوا قادتها مسؤولية مواقف وقرارات سياسية لا علاقة لهم بها، وفي مرحلة لاحقة ذهبوا أبعد من ذلك في تشكيل ميليشيات طائفية بديلا عن الجيش الوطني، لأنهم بحاجة ماسة إلى قوة صلبة يفرضون بها شروطهم على الآخرين ويحققون بها أجنداتهم على الشعب العراقي.

واليوم وعلى الرغم من وجود جيش يتزعمه رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، إلا أن الكلمة العليا هي للميليشيات الطائفية؛ وقد بدا هذا الأمر واضحا في تسريبات صوتية عديدة كان فيها زعماء هذه الميليشيات يهددون ويتوعدون قادة الجيش في عدد من المحافظات، كما حدث مؤخرا بعد أن اتهم زعيم أحد الفصائل الميليشياوية قائد عسكري بأنه أوعز برفع صورة قاسم سليماني من مدخل أحدى المدن، مهددين بقطع يده، بل ذهب هؤلاء إلى حد اتهام قائد في الجيش بالخيانة والعمالة لإسرائيل قائلين أنه أعطى إحداثيات معسكراتهم للأمريكان وإسرائيل، وفي كلتا الحالتين تم تشكيل لجان تحقيقية اختفت ولم يظهر لها أي أثر.

إن الذكرى المئوية لتأسيس الجيش العراقي تلقي حزمة ضوء ساطع على هذه المؤسسة الوطنية والقومية التي رفعت رأس العراقيين والعرب عاليا على مدى عقود من الزمن، لقد احتضنت أراضٍ عربية كثيرة الأجساد الطاهرة لشهدائه الميامين في معارك العرب، كما احتضنت مدارسه وأكاديمياته الكثير من العرب طلابا، ليتخرجوا منها زعماء سياسيون وقادة جيوش في العديد من الدول العربية، كما تضع هذه الذكرى حزمة ضوء أخرى على واقع العراق في ظل الطائفيين الذين لا يؤمنون بالهوية الوطنية وما يعزز تشكيلها ويسعون بشكل حميم للحيلولة دون إنشاء مؤسسات وطنية، بل تشكل مؤسسات موازية تعمل في إطار تحقيق اللا دولة واللا وطنية.

مقالات متعلقة