مقال خاص| ثورة العشرين تراث الأجداد وطريق الأحفاد
بقلم| عمر الحلبوسي
بين صفحات التأريخ العراقي الزاخر بالأمجاد تسطع ثورة العشرين أيقونة عراقية تجسد ملحمة وطنية شعبية استعادة العراق من الاحتلال البريطاني وأحدثت انقلابا إيجابيا وطنيا انعكست نتائجه على الواقع الذي استطاع العراقيون فيما بعد أن يتحرروا من القيود السياسية والعسكرية والاقتصادية الغربية، وأن يجسدوا السيادة الوطنية بأسمى معانيها وهو ما أحدث ثورة تطور هائلة آنذاك جعل من العراق بلدا متطورا ينافس الكبار ويحدوا نحو آفاق جديدة تغير من واقع المنطقة المظلم التي كانت تعول على العراق، فما أن نستذكر ثورة العشرين إلا ونستذكر معها التكاتف الشعبي الذي قاده شيوخ القبائل والشعراء والمثقفون والطلاب الذين تكاملت أدوارهم في تكوين ثورة عابرة لكل المسميات وانتقلت بالعراق نحو الهوية الوطنية الجامعة التي استطاعت أن تحقق انتصارين في آن واحد انتصار على المحتل البريطاني وانتصار على المسميات الضيقة التي لا تشكل شيئا أمام الهوية الوطنية الرحبة التي تجمع العراقيين تحت خيمة الوطن الوحد، وهو ما سعى به الشيخ المجاهد وأحد أعظم قادة ثورة العشرين الشيخ ضاري المحمود (رحمه الله) شيخ قبيلة زوبع العربية الذي جمع قبائل العراق وأعيانه وشخصياته ورص الصفوف بمنهج وطني تحقق له ما أراد أن يكون، وهو الذي قتل الجنرال البريطاني "لجمن" وأرعب بريطانيا بحنكة قيادته الوطنية وتعاظم محبته في قلوب الشعب الذي هتف بصوت واحد (هز لندن ضاري و بجاها).
واليوم في ظل تكالب العملاء المنصبون على العراق ومن خلفهم داعميهم إنه لمن الواجب أن نستعيد تقليب صفحات التأريخ لنستلهم العبر ونشحذ الهمم ونرتقي بالقيم لنجدد العهد والوعد وأن نسير على خطى الأجداد الذين أعطونا دروسا ستبقى خالدة ما دام الدهر باقيا، وأهم وقفة يجب أن نقفها في هذه اللحظة هي الهوية الوطنية التي وأدها العملاء منذ عام 2003 وتحت مسميات اثنية ومناطقية وقبلية مزقت الشعب إلى فرق مظللة يستوجب أن نعمل جميعا على أن نزيح هذه المسميات الدخيلة وأن نرسخ الهوية الوطنية التي هي أماننا ومستقبلنا الذي يجمعنا تحت عراق واحد كما فعل الأجداد.
فمع تصاعد وتيرة الغضب الشعبي على حكم العملاء وأسيادهم وارتفاع حجم الزخم الشعبي نتطلع إلى بارقة أمل تلوح في الأفق لتنبأنا بقرب زوال افرازات الاحتلال والاستعداد لمرحلة مصيرية حاسمة لها ما بعدها ضمن مسيرة التحرير التي انطلقت منذ عام 2003 ومازالت مستمرة حتى اليوم بعد تكامل عمل المقاومة المسلح مع الانتفاضات الشعبية في أرجاء العراق شملت كل مناطق العراق حتى الإقليم متجاوزة كل ما خطط له المحتل وأذنابه من تفرقة وعزل الشعب في خنادق الصراع التي فرضت على الشعب, فقد جاءت لحظة الحقيقة التي أظهرت نقي معدن هؤلاء الأحفاد الذين استلهموا العزم والاقتدار من تأريخ الأجداد ليجددوا ثورة شاملة فكرا وعلما وتلاحما و وطنيا تجاوز ما كان قد رسخه المحتل على أرض هشة ليس له جذور فيها.
إن ما يسطره الشعب العراقي اليوم من بطولات ملحمية لهي امتداد أغر لثورة العشرين بأسمى مراتبها وهم يحثون الخطى مكابرين رغم حجم الجراح وحجم الأعداء الداخليين والخارجيين, لكنهم غير مبالين بما حدث ويحدث من استهداف ممنهج يقف خلفه العالم كله بين مشارك أو داعم أو صامت ففي كل الأحوال العالم كله مدان بما يحدث في العراق, لكن شباب العراق لهم رأي وقول ثابت آخر: إن العراق كان ويجب أن يكون ولا مجال للتراجع تحت أي سبب مهما تعاظمت جرائم العدو، وإن الانتفاضات الشعبية المتواترة تشق طريقها في الصخر معبدة بدماء الشهداء نحو نصر عظيم يعيد العراق لسابق مكانه السيادي والريادي داخليا وخارجيا كما أعاده الأجداد في ثورة العشرين، ونحن اليوم كلنا أمل بالأحفاد الذين تجشموا للمجد كل عزيمة وساروا على نهج الأجداد لعراق جديد وهوية وطنية تقبر المسميات الدخيلة، وسيادة وطنية ترتقي بالعراق عاليا يعانق السماء.