سنة العراق بين مطرقة التهجير وسندان الاستيطان
بقلم| فخر الحصيني
(باحثة عراقية من ذي قار)
لم يعد يخفى على أحد حجم التغول الإيراني في العراق حتى أصبح يتحكم بكل شيء عبر أدواته السياسية والميليشياوية التي تتحرك بغطاء دولي يحمل شعار التنسيق وبعربات أمريكية لتنفيذ المشروع الإيراني الهادف لفرض قبضته على العراق بغية تحقيق المشروع الإيراني الرامي للسيطرة على العراق والانطلاق نحو مكة والمدينة وهو ما يروج في خطب الجمعة في طهران وقم.
فقد تنوع حجم الإجرام الإيراني في العراق بين القتل والخطف والتغيير الديموغرافي الذي انطلق منذ الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003، وصاحبه اجتياح إيراني عبر ميليشياتها التي انطلقت بخطط معدة مسبقا لتغيير التركيبة السكانية لمحافظات عراقية معروفة كان في طليعتها محافظة ديالى الواقعة على الحدود مع إيران والتي كان يشكل السنة فيها 70% حتى انطلق مشروع تهجيرهم الذي تسبب بإفراغ قرى ونواحي عدة من سكانها وإبدالهم بمجموعات من الإيرانيين الذين منحتهم الحكومات المنصبة الجنسية العراقية، ففي عهد إبراهيم الجعفري منح أكثر من مليون إيراني الجنسية العراقية وجرى توزيعهم على مناطق عدة في وسط وجنوب العراق وحتى العاصمة بغداد التي هي الأخرى تشهد عمليات استيطان إيرانية.
يعتقد البعض أن هذه الحكومة الميليشياوية تسير بعشوائية الفوضى التي خلقها المحتل الأمريكي الذي سلم زمام الحكم في العراق لحليفه المحتل الإيراني، فكل ما تقوم به هذه الحكومة والميليشيات قد طبخ ورتب في المطبخ السياسي الإيراني، ولا يخفى علينا أن كل كيان غاصب يعيش حالة القلق من ترسيخ جذوره فما عليه إلا أن يرتب ويأمن حدوده وأن يقطع شرايين كل ما يمكن أن يساعد في أن يستعيد العراق عافيته، فتأمين الحديقة الخلفية لإيران وجب عليهم قطع شرايين العاصمة بغداد التي هي أكبر مؤرق للوجود الإيراني في العراق وتعتبر الأكثر تنوعا طائفيا وأثنيا، ولأن الفسيفساء المجتمعي في بغداد يمنع هذا الاحتلال من الهيمنة فقررت تأمين حزام بغداد الذي يسكنه العرب السنة بممارسة القتل والتهجير الممنهج للسنة وإحلال الميليشيات بدلا عنهم.
ويبدأ مخطط التأمين والتغيير الديموغرافي باعتقالات ممنهجة بلا ذنب ترعب سكان المنطقة البسطاء أولا والتهمة جاهزة "4 إرهاب" التي تعرف بـ"4 سنة" لأنها تطبق على السنة فقط، ثم مساومة عوائلهم على ترك منازلهم لصالح الميليشيات، ثم تنطلق المرحلة التالية تجريف الأراضي الزراعية التي هي مصدر رزق أهالي هذه المناطق، ومن ثم بناء مشاريع ومصانع لصناعة الأسلحة وهذا بحد ذاته يقضي على أي أمل في خصوبة التربة بسبب مخلفات المصانع التي تضر بالبيئة، وبعدها يعلنوا للعالم من قبل سفير إيران والحاكم الماريونت في المنطقة الخضراء بعملية عسكرية عالية الجودة لتطهير المنطقة من خطر "داعش".
ثم تأتي مرحلة الإحلال والاستيطان الإيرانيين وتجنيسهم والاستيلاء على منازل أهل السنة في المنطقة، في مشهد يماثل ما يفعله الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وهذا يؤكد أن الحكومة والميليشيات تسير ضمن مخطط إيراني لتحويل العراق إلى مستعمرة إيرانية صعب أن تزال إلا بقوة عسكرية منظمة.
فالتغيير الديموغرافي بدأ منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، وبوتيرة تسارعية، وبتواطؤ صريح من الدولة نفسها أو من يمثلها، بل وبمشاركتها من خلال قوات الدفاع والداخلية وكان الهدف الرئيس تصنيع خطوط تماس قومية ومذهبية، والتأسيس لمناطق طائفيا بحتة حتى يسهل تأجيج الصراع فيما بينها، وهو ما يبقي العراق دولة معلولة لا تقوم له قائمة ولو بعد سنين، وقد تعاونت الميليشيات الإيرانية مع الموساد وجيش الاحتلال الأمريكي لتصفية العراق من عقوله العلمية وقياداته العسكرية، وقد بلغ الاستهداف أشده بعد تفجير ضريح العسكريين 2006، وبدأت الحرب الطائفية بأبشع صورها بممارسة الخطف والقتل على الهوية، رغم أن العراق شعب متماسك ومختلط لم تستطع تلك المخططات إلى "لبننته" كما حدث في لبنان لعدم وضوح النفس الطائفي فيه واختلاط أطيافه وتعايشهم السلمي منذ مئات السنين، ولكن العمل الدؤوب لهذه الميليشيات خلق احتقانا كبيرا تجسد بسجونها الطائفية والتقارير المروعة التي تقدمها منظمات حقوق الإنسان رغم السرية التي تّلف تلك السجون.
إن إفراغ العراق من مكّون بعينه سيبقي الاحتلال الإيراني في العراق مدة أطول، فإيران تنفذ إلى الشعوب العربية بمظلومية كاذبة لخداع الناس بأنها تتدخل بشؤون الدول من أجل دولة شيعية عظمى، والحقيقة هي قادمة من أجل إعادة بناء الدولة الفارسية، تحلم بالإمبراطورية الضائعة وهو لن يحدث فقد هلك كسرى فلا كسرى بعده.
وحتى نفهم المنهجية الإيرانية في مسلسل التهجير القسري الطائفي وتجريف الأراضي عبر الميليشيات الولائية، علينا أن نرصد بعض الإحصاءات فقد شهدت محافظة ديالى صراعًا داميًا استمر لعدة سنين تم تهجير أكثر من 3500 عائلة في (المنصورية وحمرين والأمر نفسه تكرر في ناحية جلولاء وناحية السعدية التي هجر أهلها عندما اجتاحها داعش ثم تلاها سيطرة الحشد والقوات الحكومية التي لم تسمح بعودة أهلها إلا القليل منهم، وكذلك قرية أبو الخنازير وقضاء المقدادية والوجيهية والقرى التابعة لهما وأبي صيدا، والقرى التابعة لقضاء بعقوبة، وناحية الهويدر، ومناطق الكاطون، وحي المعلمين، وناحية العظيم وناحية بهرز والقرى التابعة لها، والاستيلاء على عدة بساتين في الخالص.
أما بغداد العاصمة ففي اللطيفية هجرت الميليشيات والقوات الحكومية ٢٠٠٠ عائلة وصودر ١٥٠٠٠ دونم زراعي، وفي حي الشعب هجر عدد كبير من العوائل عام ٢٠٠٦، وفي الطارمية التي تشهد وحدها مسلسل تهجير تعددت فصوله وطالت أحداثه تشهد تهجيرًا للسكان وتجريفًا للأراضي وحصارًا منذ 2003 حتى الآن، ومنطقة التاجي هجر أهلها وتمت مصادرة أرضهم والأمر نفسه في قضاء المحمودية والمدائن، واليوسفية والنهروان وقرى ذراع دجلة وحي العامل ومنطقة الحصوة والأعظمية، وشارع فلسطين، كلها شهد تهجيرا للعرب السنة واستيلاء على ممتلكاتهم من قبل الميليشيات.
أما محافظة صلاح الدين فقد شهدت ناحية يثرب ومنطقة تل الذهب وسامراء مسلسل قتل وتهجير مستمرة، كما تم تهجير ٩١ عائلة من قرية العيثة وتهجير السنة من قضاء الدجيل وبلد وناحية الاسحاقي وتكريت وقضاء بيجي على وقع جرائم القتل والمقابر الجماعية التي ارتكبتها الميليشيات بحق العرب السنة والذين ما زال الآلاف منهم في غياهب سجون الميليشيات.
أما قضاء القائم غربي الأنبار فيشهد عمليات تغيير ديموغرافي من خلال سيطرة الميليشيات عليه وفرض سطوتها وقيامها بالاستيلاء على عدد من المنازل وإجبار العوائل على بيع منازلهم بمبالغ بخسة ومن ثم تهجيرهم صوب قضاء الرمادي وكل ذلك يحدث أمام مسمع ومرأى الحكومة المحلية والمركزية التي تغض النظر وتصم سمعها عن صرخات المهجرين.
أما جرف الصخر التي تبعد مئات الكيلومترات عن الموصل، لكن أهلها لم يعودوا إلى بساتينهم وأراضيهم الزراعية حتى اليوم، بعد أن تحولت المنطقة إلى معسكر كبير تديره ميليشيات مسلحة عراقية من أهمها ميليشيا "كتائب حزب الله" العراقي التي حولت بيوت الناس إلى معتقلات للمختطفين الأبرياء، ومعسكرات تدريب وإيواء الميليشيات الشيعية البحرينية والكويتية ثم إعادتهم إلى بلدانهم ليكونوا خلايا نائمة تأتمر بأمر الحرس الثوري الإيراني، فضلا عن إنشاء أكثر من 10 معامل لتصنيع المخدرات وبيعها في العراق وتهريبها للدول المجاورة، وقد بينت بعض التقارير المهمة أن الميليشيات تجبر المختطفين على أعمال الزراعة تحت تهديد السلاح، كما حولت عددًا من المنازل والجوامع إلى معامل لتصنيع الصواريخ والعبوات المتفجرة التي تستخدمها الميليشيات في جرائمها.
إن مسلسل التغيير الديموغرافي في العراق لم يحدث بفعل إيران وميليشياتها وحكومتها العميلة فقط، بل بتواطؤ من بعثة الأمم المتحدة التي تغض الطرف عما يحدث من جرائم قتل ممنهج وتهجير قسري للسنة، وانشغل مبعوثة الأمم المتحدة بلاسخارات بعقد لقاءات متكررة مع قادة فصائل الميليشيات، وعدم تكليف نفسها حتى بكذبة الإدانة والاستنكار لجرائم الخطف والتغييب التي تطال الأبرياء، وهو أمر سار عليه كل من شغل هذه المنصب بهذه المنظمة الغير عادلة.