الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مقال خاص| في ذكرى غزو العراق: حين يصبح الغزاة محررين والعملاء حُكّاما

في ذكرى غزو العراق: حين يصبح الغزاة محررين والعملاء حُكّاما

بقلم| د. مثنى عبد الله

ليس من قبيل المبالغة القول بأن الضمير العالمي كان خارج الخدمة في العام 2003. كما ليس غريبا الزعم بأن العدالة وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية كلها سقطت بالضربة القاضية، حتى بدا دُعاة هذه القيم عراة أمام العالم في غزو العراق، وليس انفعالا وصف المنظمات الأممية كالأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والجهات الحقوقية الدولية والإقليمية بأنها بدت مجرد هياكل هشة أمام هذه الجريمة الكبرى؛ فلقد أظهر الإصرار على الغزو والأكاذيب التي تم نسجها لتبريره بأن الأسس التي قام عليها النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت مجرد فقاعة، كما رصد بشكل واضح حالة الانحطاط التي يعيشها العالم إلى الحد أنه يلوذ بالصمت أمام مجزرة ارتكبت ضد شعب آمن.

لقد بدا العالم كله وكأنه مرتهنا بيد دولة واحدة هي الولايات المتحدة، التي لم تتورع من استخدام سياسات بلا أخلاقيات وفارغة المحتوى وفاقدة للمصداقية دون أن ينبري العالم للدفاع عن قيمه، لقد جردت بهذه السياسة العالم كله من أخلاقياته وسلطاته وإراداته، وجعلته مجرد بوق لها بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى ومن ليس معنا فهو ضدنا، دول عظمى التحقت بركب الغزاة كان يسبقها لعابها السائل أمامها من أجل المصالح، دول بنفس القياس صمتت كي لا تنجر إلى صِدام يقضي على نفوذها هنا وهناك، دول أخرى ارتجفت خوفا من نفس مصير العراق، حتى بدا العالم كله وكأنه قد أصابه الشلل التام وفقد الضمير، أما الغزاة فقد ارتدوا لباس المحررين، ومع كل خطوة باتجاه الاحتلال كانت قوى الشر ترفع رايات الحرية والعيش الرغيد وتوعد العراقيين بأن الديمقراطية قادمة، والازدهار قاب قوسين أو أدنى، وأن حقوق الإنسان ستكون مصانة في ظل حكم رشيد.

لكن وعلى مدى أكثر من عقد ونصف بقي العراق بقعة تنزف دما، وتكشف أيامه يوما بعد يوم وهن النسيج الكاذب الذي فرشوه عليه كيف يظهر بحلة زاهية، كما تسرب كل ذلك الخداع والوهم عند أعتاب كل أزمة، فأيقن العالم كله حتى أولئك المتأخرين بإدراك الحقيقة بأن كل ما جرى مجرد هراء، وأن الغزو كان مجرد كذبة كبرى وكل ما بعده مجرد أكاذيب صغرى تسبح في فلكه وتحاول تزيين صورته كي يبدو براقا، ولأن الضربات اللفظية سريعة فقدان الصلاحية، فقد ذهبت أدراج الرياح صفة المحررين عن الغزاة وبانت عوراتهم منذ اليوم الأول، كما ذهبت كل الوعود بعراق جديد إلى مزبلة الجحيم.

أما العملاء فقد مّن عليهم سيدهم بأن يجعل الجاني والمذنب منهم هو القاضي والجلاد، والفاسد وهو المكلف بالإصلاح، والظالم يحمل قنديل الحق، والسارق هو الحامي لبيت المال، والزعيم الشعبوي يقف خطيبا بين الناس بلباس الزعيم الشعبي، والمنقسم على ذاته الدمية بيد الأشرار مُصدّقا نفسه أنه كان مجاهدا، واليوم هو الزعيم الذي لا يشق له غبار؛ ولأن هذه التشكيلة السياسية الرثة وصلت للسلطة نتيجة حرب ونتيجة تقاسم كعكة السلطة حسب المحاصصة، لذلك فأن الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها هذه النخبة الفاسدة البقاء، هو تشريع النهب وممارسة الإقصاء والتغييب والقتل ودغدغة الغرائز الطائفية والأثنية، وتجعل من هذه الكوارث نظرية حكم تستند إليها، كما أن الغموض القانوني والفوضى السائدة التي تقصّد المحتل بصنعها سمحت لهذه الطبقة الفاسدة وأذرعها المسلحة من فرض سيطرتها على كل جوانب الحياة، وتحكمت بمصير المواطنين وفرضت أجندتها التخريبية في كل زاوية من زوايا المجتمع، ولكي تبقى خريطة العراق مهددة فقد أصبحت معادلة الحكم الجديد هي (أنا الحاكم والنظام هو أنا والدولة هي نظامي)، وبذلك بات كل من يعارض الأوغاد معنى ذلك أنه يهدد كيانهم.

وفي خضم كل هذه الفوضى بعد الزلزال الكبير هب الجميع لتقاسم العراق، كل حسب كم الحقد التاريخي الذي ينوء تحته وما لديه من أدوات، فبرزت إيران الساعي الأول كي يبقى العراق مجرد شبه دولة لمنح أذرعها حرية التصرف والحركة في الداخل وفي المحيط، وصولا إلى حالة الارتهان الكبير التي هو عليها اليوم، فبعد التغلغل في كل زوايا المجتمع والسيطرة التامة على كل مفاصل الدولة والحياة فيه، وبعد أن نجحت في تشكيل سلطة موازية فاعلة تتحكم في مصيره وتصنع حاضره وترسم مستقبله، تقدم صانع القرار في طهران كي يجعل منه ساحة صراع يصفي فيها حساباته مع الآخرين، وبات القرار هو وضع كل ثروات ومقدرات وحاضر ومستقبل العراق مجرد حشوة دافعة في نظرية الأمن القومي الإيراني.

واليوم وفي ذكرى الغزو تبقى المراهنة التاريخية قائمة على شعب العراق، فإذا كانت النظريات السياسية قد ركزت على الجغرافيا كمركز ثقل سياسي عبر التاريخ، فقد برزت بؤر شعبية كمراكز ثقل سياسي عبر التاريخ أيضا، فخارطة العالم الجغرافية تظهر لنا دولا ذات وضع جيوستراتيجي نادر لكنها لم تكن أبدا مركزا لصناعة التاريخ، في حين يبقى العراق من الدول النادرة التي تزاوج فيها عنصر الجغرافيا المهم مع العنصر البشري الفاعل، وقد كان نتيجة هذا التزاوج أن تحطمت على أرضه كل الغزوات الهمجية، وهزم فيه الكثير من الرعاع، وساهم بشكل فعال في صناعة تاريخ نادر ونمط تغيير تاريخي مشهود.

مقالات متعلقة