الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مقال خاص| ماكرون والدور (الجديد) في العراق بعد (الفشل) في لبنان

ماكرون والدور (الجديد) في العراق بعد (الفشل) في لبنان

بقلم| عمر الفرحان

(مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب)

لم يكن العراق في سياق المسارات التي رسمت لفرنسا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وإلى وقت قريب، فكما هو معلوم أن النفوذ الذي خصص لها هو لبنان وسوريا وبعض دول المغرب العربي وأفريقيا، وما يثير العجب والشك أن اهتمام ماكرون المفاجئ بالعراق جاء بشكل غير اعتيادي وفي وقت حرج تتسارع الأحداث المضطربة في أفغانستان ولبنان وإيران، وبعد معاداة الإدارة الفرنسية للإسلام والمسلمين وما نتج عنها من مقاطعة عالمية إسلامية وعربية للمنتوجات الفرنسية ومصالحها في المنطقة. وتعد كل هذه المؤشرات دليل على شبه تكتنف زيارة ماكرون للعراق.

الفشل الفرنسي في لبنان كبير ولا يمكن تجاهله بعد ما أظهر ماكرون نفسه الفارس الشجاع الذي ظهر على انقاض تفجير مرفأ بيروت وهو يلوح بيده ويمسح على دموع الثكالى وتعهد بمواصلة الحرب حتى تقام حكومة تلبي متطلبات الشعب اللبناني لكون فرنسا الوصي ومدير التشكيل السياسي لأي حكومة لبنانية، فضلا عن الشركاء الآخرين، وبهذا انقضى عام على تفجير المرفأ ولم تتشكل حكومة ولم يعوض الضحايا بشيء، بل إن الأوضاع تدهورت سريعا في بيروت ومحافظاتها الأخرى حتى أصبحت من أفقر دول العالم لا غذاء ولا دواء والجريمة المنظمة في أعلى درجاتها.

هذا الفشل ألجا ماكرون إلى البحث عن مساحات أخرى يستخدمها للتغطية على فشله في رسم سياسة متوازنة تابعة له، وبالتالي سنحت الفرصة له بالدخول إلى العراق بعد هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان وتراجع دورها في المنطقة بشكل ملحوظ رغبة منها أو ربما لم تستطع أن تكون قادرة في حل الأزمات خارج حدودها. وعلى كل حال فإن تقدير ماكرون وإدارته للقضية العراقية بأنها ستكون سهلة المنال وأنها ستتمكن من حلها وفق برنامج إنمائي واستثمارات والترويج للعطر الفرنسي وبهرجة شارع الشانزلزيه والأناقة والثقافة الفرنسية التي سطرت عقدا من الزيف والعداوة للعرب المسلمين ودينهم كما أثبتته صحيفة (شارل إبدو) والعنصرية المقيتة داخل أزقة باريس.

تبحث فرنسا عن موطأ قدم آخر بعد تراجع الدور الأمريكي والبريطاني في العراق هذا الموطأ قد يكلفها الكثير من الدولارات كاستثمارات وبناء المراكز الثقافية وتطوير البنى التحتية، وسيكلفها أيضا مكانتها الدولية وترسانتها الحربية، وإن كانت تستخدم القوة الناعمة في حربها ضد العراق مع قوة صلبة موجودة منذ فترة لمحاربة تنظيم داعش ولكن هذه القوة أصبحت رهينة التحرك الأخير من انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق لكي تمثل الاتحاد الأوربي في عمليات حفظ السلام في المنطقة والتي تتراوح قوتها ما بين (5) آلاف إلى (20) ألف جندي في المنطقة العربية.

شبهات ماكرون في العراق عديده يمكن أن نستشفها من خلال تصريحاته التي سبقت الزيارة وأثنائها، فقبل زيارته للعراق صرح قائلا عبر تغريدة تويتر "هناك تحديات كثيرة فيما يتعلق بضمان سيادة العراق بكل أبعاده سواء داخل البلاد أو أي مكان في المنطقة". وهنا اعتراف صريح بأن العراق بلا سيادة وأن التدخلات الخارجية مباحة لجميع الدول التي تريد أن تلعب دورا سياسيا واقتصاديا فيه وقد انتهز الفرصة في أن تحل فرنسا لاعبا في العراق ومتدخلا يرغب في استقطاع حصته من الفوضى التي خلفها الاحتلال الأمريكي والإيراني ويبحث عن طوق نجاة لاقتصاده المنهار بسبب المقاطعة التي تعرض لها.

وفي قصر بغداد صرح "نحن هنا لتعزيز سيادة العراق وأمنه المستدام" ولم يدرك تماما أن أمن العراق قد انتهك من خلال رؤساء الحكومات الذين يحملون الجنسية الفرنسية أمثال عبد المهدي وغيره، فحاول ماكرون اللعب على مصالحه في العراق بعيداً عن حقوق الإنسان، ولم يشاهد أو يسمع انتهاكات ميليشيا الحشد الشعبي والقوات الأمنية لحقوق الإنسان، وما عملت عليه من تدمير للمدن والمجتمعات العراقية بحجج طائفية واغتيال وخطف عدد من الناشطين العراقيين المناهضين والمعارضين للنظام الإيراني وميليشيات الحشد الشعبي داخل العراق، وهنا لا ريب في تصريحه هذا فلو عدنا إلى الوراء وتحديدا عام 1979م ورأينا نزول خميني من الطائرة الفرنسية في طهران لوجدنا تقارب المصالح والأهداف التي يرمي إليها ماكرون الحالي والسياسية الإيرانية منذ عام 1979م.

فضلا عن محاولته دعم موقعه على الساحة الدولية والداخلية قبيل الانتخابات الرئاسية في فرنسا؛ على الرغم من عدم إعلان ترشحه لذلك إلى هذا الوقت إلا أن طموحه يتجسد في مقولته "قواتنا باقية في العراق ما دام يريد ذلك بصرف النظر عن موقف واشنطن". وهنا يشير إلى الموقعين السابقين فهو يريد موقعا لفرنسا مماثلا للولايات المتحدة الأمريكية في العراق.

الشبهة الأخيرة هي جعل العراق منطقة ضغط للنزاع بين فرنسا وبين تركيا على المسائل الخلافية بينهما من حزب العمال الكردستاني والملفات الاقتصادية الأخرى المتمثلة في معارضة فرنسا عمليات التنقيب التي تقوم بها تركيا شرق المتوسط، وتضامن باريس مع اليونان وقبرص ضد تركيا، ويتمثل البعد الآخر بتصاعد مستويات التنافس على مناطق النفوذ. كما عمل ماكرون على اختراق العلاقة مع العراق ولا سيما مع حكومة بغداد وكردستان من أجل وقف التدخلات السياسية والعسكرية والإنسانية التي تقوم بها تركيا في العراق.

وختاماً تعكس التحركات والتصريحات الماكرونية رغبة فرنسا في الاستحواذ على منطقة نفوذ عراقية تمهيدا للعب دور أكبر في المنطقة، وإعادة ترميم الصورة الفرنسية في المنطقة بعد اعتدائها على الرموز الدينية الإسلامية، وربما تتخذ المواقف الفرنسية المقبلة مسارات متعددة تجاه العراق من تعزيز المبادلات الاقتصادية، والتفاهمات حول صراعات المنطقة، خاصة أن باريس أبدت استعدادًا للعمل على عودة الأمن للمنطقة وفق ترتيبات دولية وبتدخل مباشر من الاتحاد الأوروبي، في المقابل تمثل هذه التحركات عودة الاحتلال بصيغة أخرى من خلال تكبيل المنطقة بسلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية مما يهدد وجود الحضور العربي بشكل تام لاسيما في التطورات التي تشهدها المنطقة، والولايات المتحدة الأمريكية في التواجد بالمنطقة العربية.

مقالات متعلقة