بقلم| ياسر التركي (باحث في حضارة بلاد الرافدين)
قانون (أورنمو) هو قانون سبق قانون حمورابي بثلاثة قرون. وهو أقدم قانون مكتشف لحد الآن حيث عُثر على قسم من الألواح التي تضمنت هذا القانون في مدينة نفر والقسم الآخر منها في مدينة أور
أور نمو: هو مؤسس أسرة أور الثالثة (عصر الانبعاث السومري)، وقد استمر حكمه سبعة عشر عاما ما بين (2112 إلى 2095) ق.م
وقد حظيت الحضارة العراقية باهتمام الباحثين في الآثار والتاريخ القديم فغطت دراستهم جوانبها المختلفة اللغوية والتاريخية والفنية، وتبين أن الحضارة العراقية القديمة تتصف بالخلق والإبداع، وتأثيرها بالحضارات المجاورة، والسومريون من أقدم الشعوب التي أرست دعائم أول حضارة أصيلة في جنوب بلاد الرافدين.
وحفل العراق القديم بالعديد من الشخصيات البارز في ازدهار الحضارة العراقية القديمة، ومنهم الملك السومري (أور نمو) الذي استطاع توحيد بلاد سومر واكد، وبسط نفوذه إلى بعض الأقاليم المجاورة واتخاذه (أور) عاصمة للبلاد. وازدهرت الفنون والإعمار في عهده، فضلا عن الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي، ويكفيه أنه أول من شرع قوانين الدولة التي وصلت إلينا. وقد اكتشف هذا القانون مدونا على رقيم طيني في مدينة نفّر في جنوب العراق في بداية القرن العشرين وكان مهشماً بصورة سيئة ولم تنشر محتوياته إلا في الأونة الأخيرة من قبل العالم صموئيل نوح كريمر، ثم عثر بعدها على كسرتين لرقيم طيني تمكن العالمان كريمر وجيرني من التعرف عليهما بعد اكتشافهما في أور، وهو ما دفع العالم بالمسماريات فنكلشتاين من تقديم دراسة كاملة لمجموع تلك الكسر.
وتم التعرف مؤخرًا على لوح مسماري عثر عليه في موقع سُبَار (أبو حبة) في اليوسفية قرب بغداد، مدون عليه قانون (أورنمو) تمكنوا بوساطته إكمال مقدمة القانون والتعرف على المواد العشرة الأولى للقانون وقد تبين أن المواد الأولى الناقصة من القانون هي ست مواد وليست ثلاثة كما كان يعتقد سابقاً. وتبين أن مجموع مواد أورنمو سبع وثلاثون مادة قانونية. وبذلك تكون المادة الرابعة المتعارف عليها سابقاً هي المادة السابعة والمادة الخامسة ستكون المادة الثامنة في الترقيم الجديد، والمواد 34، 35، 36 وجدت مخزونة، ولا يمكن التعرف عليها، وبذلك سيختلف ترقيم المواد القانونية الأخيرة أيضاً. ومن أحب الاطلاع على هذه القوانين الجديدة فعليه مراجعة كتب السيد Marther Roth والسيدة أزهار عبد اللطيف الشهواني والأستاذ الدكتور عبد القادر عبد الجبار الشيخلي.
وسأضع أمام القارئ الكريم بعض النصوص من هذه القوانين وسأشير إلى بعض الأمور المهمة فيها؛ لأنها من مآثر تراثنا القانوني الرائع، وكونها من أهم المصادر التاريخية في قوانيننا المعاصرة، ولأن مكتبتنا العراقية تفتقر إلى مثل هذه الدراسات بدلاً من البحث في قواعد القوانين الرومانية كما هو حاصل من قبل فقهاء القانون من الغربيين والعرب والعراقيين، وهو ما حز في نفسي أثناء دراستي الجامعية في كلية القانون عندما درست تاريخ القانون، ودفعني لاختيار هذا الموضوع في رسالة الماجستير؛ لأن القوانين العراقية القديمة ميداناً واسعاً ورحباً للدراسة والبحث وتؤكد الأصل التاريخي لأغلب نصوص القوانين في العالم وهي الأولى بالدراسة وقد وفقني الله في الحصول على درجة الماجستير فيه بتقدير امتياز.
كما أن غالب ما كتب عن النصوص القانونية القديمة لايغوص في أعماق النص وإنما يمر على ظاهر النص ويستعرضه ويتعامل معه بوصفه تراثا تاريخيا وشاهدا على وجود حضارة راقية في بلاد الرافدين ولاسيما من قبل الباحثين في علم الآثار والتاريخ والتراث، أما الفقهاء فقلما نجدهم تناولوها ودرسوها باهتمام وتعمق وغاصوا في أحكامها وتأصيلها.
وجد في النصوص أن (أورنمو) اعتبر السيدة التي تدعك فم خادمتها (أمة زوجها) بالملح كتطهير لها من روح شريرة، أو من سحر أو غير ذلك مما جعل الأَمة تسيء إلى سيدتها، وأرى أن ذلك ليس إلا عذرا مانعا للمسؤولية الجزائية التي تتمتع بها السيدة التي تدعك فم الخادمة، وإلا لما كان المشرع ينص عليه في قانونه ويرتب عليه أحكاماً خاصة، كما وأن المشرع العراقي لم يعالج كل الحالات ولم يلموا بكل الموضوعات من خلال القوانين التي شرعوها، وهناك أمور أهم من إساءة (الأمة) لسيدتها لا نجد لها أحكاماً في تلك القوانين، وخاصة قانون (اورنمو).
وفي مادة أخرى شرعها (أورنمو) لم تصلنا بنص كامل للخرم الذي لحق بها وهي المادة التي جاء فيها: (إذا تكبرت أَمةُ رجل ما ساوت نفسها بسيدتها وضربتها...) فالواقعة المفترضة وهي تطاول الأمة على سيدتها؛ حيث تحاول الارتفاع من مكانتها الاجتماعية إلى مقام سيدتها ثم إن كلمة (وضربتها) لا تعرف بسبب النقص في النص من الضارب ومن الذي وقع عليه الضرب هل السيدة ضربت أمتها لتطاولها، أم الأَمة تجاوزت على سيدتها بالضرب، فالنقص فوت علينا الوقوف على صحة الواقعة التي افترضها المشرع.. والأحكام الجزائية المقررة مفقودة أيضاً وكما رأينا في نص هذه المادة، فالمادة خاصة بتجاوزات الرق وخاصة الإماء ضد أولياء نعمتها ومالكيها؛ وحيث لا يمكن بناء موقف لنا من هذه المادة على التخمين والافتراض، فإن هذه المادة لا يمكن أن نبني مقارنتها بأي نص قانوني وردنا من العراق القديم خاصة من العصور البابلية والآشورية على السواء. ولكن يمكن أن نتصور بوضوح القواعد القانونية والأحكام التي تقررت والواردة بالقانون السومري مع الأخذ بنظر الاعتبار أن القانون تضمن نصوصاً قانونية أخرى لم يتاح الوقوف عليها والتعرف على الأحكام المقررة فيها بسبب النقص جراء تهشم أو خرم الألواح التي دونت عليها نصوص هذا القانون
وكانت المصادر التاريخية لقواعد اور نمو، هي العرف والتقاليد والعادات المتبعة، والتحكيم، والسوابق القضائية، والتصرفات القانونية عند السومريين، واصلاحات اوروكاجينا، واكتشاف قانون اورنمو، ومقدمة قانون اورنمو، وأسلوب صياغة قانون اورنمو وتبويبه، ومضمون قانون اورنمو (المتن)، وخاتمة قانون اورنمو. وإذ تطرقنا لبعض مواد قانون اورنمو سنجد قانون لجرائم الاعتداء على حياة الإنسان وبدنه، وجريمة القتل، وجرائم الإيذاء البدني، وتقدير التعويض في قانون اورنمو، والجرائم الجنسية وجرائم الاتهام الكاذب، وجريمة نهب الأموال، وجريمة الإحجام عن أداء الشهادة، وأحكام الأحوال الشخصية، ونظام الملكية وأحكام الأرض، وإيجار الأراضي، والأحكام الخاصة بالإماء. وقد كشف منقبوا الآثار عن لوح مسماري في أطلال مدينة سُبَار، وتمكن الباحثون من التعرف على مضمون النص المدون فيه وتبين أنه مجموعة من القواعد القانونية التي شرعها الملك السومري اورنمو ضمن قانونه المعروف قانون اورنمو.
ولوح سُبار تم اكتشافه في العقد الأخير من القرن الماضي وقد غيرت نصوصه الأفكار والمفاهيم التي كانت سائدة في وجهات النظر لدارسي وباحثي تاريخ القانون والأنظمة القانونية القديمة، فضلا عن سدادها نقصاً ظاهراً في بعض نصوص متن قانون اورنمو في الواح نُقر واور التي اكتشفت سابقاً، وبذلك سُدت الثغرات والنواقص في بعض المواد القانونية بسبب تعرض الالواح المكتوب عليها القوانين إلى ضياع جزء منها، وحتى ما تم اكتشافه في لوح سُبار أو الألواح المدون عليها قانون اورنمو في نُفر واور فلا يمثل الصورة الكاملة ولا الصيغة النهائية لهذا القانون، ويسعى المنقبون إلى اكتشاف ألواح أخرى مدون عليها نصوص تشريعات اورنمو وعندها تكتمل النصوص الناقصة، المخرومة جزئياً أو التالفة كلياً لمواد قانون اورنمو.
ويمكن من خلال ما تقدم إعطاء صورة أكثر وضوحاً عن الأحكام التي يضمها هذا القانون كما ساهمت في تغيير وجهات النظر السائدة قبل اكتشاف اللوح المذكور، فمنذ وقت قصير كان بعض الدارسين والباحثين يرون أن قانون اورنمو لا يتضمن من الأجزية (الجزاءات) والعقوبات إلا التعويضات ويعدونها جزاءات قررها اورنمو لمرتكبي الأفعال الجزائية حين تتحقق نتائجها، وحتى انه اختلط عند البعض مفهوم التعويض الذي يقرر جبراً لضرر المتضرر، ومفهومه كغرامة باعتبارها عقوبة جزائية مقررة لمرتكب الفعل الجنائي الذي تتحقق نتائجه والذي يتكيف وفقا لاحكام القانون العراقي القديم بشكل عام، وقانون اورنمو على وجه الخصوص. وهذا الالتباس في الفهم قد نجد له ما يبرره بالنسبة للباحثين في تاريخ بلاد الرافدين الذين يجدون في مفردة القانون انجاز حضاري تراثي ضمن انجازات حضارتنا القديمة بمختلف وجوهها. أما الذين لهم دراية بالقانون، والذين تعد الدراسات القانونية ميدان أبحاثهم التخصصية، حتى ولو كانت هذه الدراسات تبحث في تاريخ الأنظمة القانونية وتأصيل القواعد القانونية المعاصرة وربطها بماضيها وبداية نشوئها وبما يعرف بدراسة تاريخ القانون والتراث القانوني فنجد أن الخلط بين اعتبار التعويض جبراً للضرر وكونه عقاباً مالياً مقرراً بقاعدة قانونية آمرة هو مما يحسب على اولئك الباحثين وليس لهم.
وعند الوقوف على نصوص المواد الناقصة في قانون اورنمو، نتعرف لأول مرة في تاريخ التشريع العراقي على عقوبة الموت التي قررها السومريون في قانونهم هذا (قانون اورنمو) لمن يرتكب جريمة قتل النفس البشرية، وكذلك تقرير هذه العقوبة لمن يقوم بفعل نهب وغصب أموال الغير. وهذه العقوبة لم تكن معروفة بالنسبة للباحثين في القواعد القانونية التي شرعت بعصر الانبعاث السومري قبل اكتشاف لوح سُبار على النحو الذي ذكرناه والذي احتوى النصوص القانونية لقانون اورنمو ذاته.
ولعل أهم ما جاء به اللوح المذكور (لوح سُبار) انه جاء ولأول مرة في تاريخ الشرائع العراقية القديمة بأحكام تقرر عقوبة السجن، أو الحبس، وهذه العقوبة لم تكن معروفة قبل العثور على لوح سُبار وترجمة نصوصه لا في قانون اورنمو نفسه ولا في أي قانون عراقي قديم صدر قبل ذلك. وإذا كان بعض الباحثين قد افترض وجود عقوبة السجن في تلك العصور في بلاد الرافدين وكان ذلك الافتراض استنتاجاً من الباحثين والدارسين نفوا معرفة العراقيين القدامى بعقوبة الحبس والغوا وجودها في العراق القديم.
ان التنقيب الاثاري قدم خدمة كبيرة في حقل البحوث القانونية التأصيلية بعد إن أزاح التراب المتراكم في إطلال مدينة سُبار عن هذا اللوح الذي اكتملت به نصوص قانون اورنمو بالكيفية التي تم استعراضها في هذا البحث وبذلك يمكننا ان نجهر القول مفتخرين بان العراقيين القدامى هم اول من شرع عقوبة السجن في تاريخ البشرية وفقاً لما جاء به لوح سُبار مكملا بعض القواعد القانونية الناقصة في قانون اورنمو.
ومن النتائج التي تمخضت عنها هذه الدراسة لقانون اورنمو نرى ان هذا المشرع السومري عرف العقوبة المزدوجة التي برزت جلية في نصوص قانونه التي اكتملت بعض إحكام قواعدها القانونية عند التعرف على لوح سُبار، فنجد ان عقوبة السجن فضلا عن عقوبة الغرامة قد قررت في هذا القانون وهذا مما لم يذكره أي ممن تصدوا لدراسة هذا القانون.
وأغلب ما وصلنا عن هذا القانون يتجلى في الأحكام الجزائية إلا أن هناك جوانب مدنية وأسرية تضمنتها القواعد القانونية التي شرعها اورنمو وقد تناولت بعضا منها في رسالتي لمن أحب الاطلاع عليها؛ ولذلك فإن قانون اورنمو السومري هو القانون الأقدم زمناً في سلسلة التشريعات العراقية القديمة، على الأقل بالوقت الحاضر لعدم وجود ما هو أقدم منها، وربما يتمكن الباحثون من اكتشاف نسخ أخرى مدونة على الواح طينية أو حتى على مسلة حجرية في مدن عراقية قديمة أخرى حتى تكتمل تشريعات وقوانين اورنمو. وفي ذلك دلالة على أن السومريين قد عرفوا النشر والتعميم ثم النفاذ وبذلك يكون العراق وحضارة بالد الرافدين من أوائل الحضارات التي سنت القوانين في بلدانها في تلك العصور المبكرة قبل غيرهم.