بقلم| أ. ياسر عبد العزيز (كاتب وباحث مصري)
نضال من أجل الاستقلال
في الثالث من أكتوبر عام 1932 أعلنت عصبة الأمم قبول العراق عضوا فيه، كان هذا التاريخ سبقه نضال أثنى عشر عاما قدم فيه العراقيون الغالي والنفيس من خيرة شبابه وشيوخه على حد سواء، فالكل كان مستعدا للتضحية من أجل عراق حر.
لم يقتنع العراقيون بفكرة الانتداب البريطاني على بلادهم الذي فرضه التاج البريطاني عام 1920 فاندلعت ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، وسياسة تهنيد العراق، جراء عدم إيفاء دول الحلفاء بالوعود المقطوعة لنيل الاستقلال كدولة على أنقاض الخلافة العثمانية، بعد سقوطها.
فمن المظاهرات التي خرج بها أهالي بغداد إلى المواجهات المسلحة التي انتشرت في مناطق عديدة في العراق، ذاق المحتل البريطاني الويلات، وأذاقه العراقيون من كأس المنايا جرعات فرضت عليه يوميا وطالت قادته قبل جنوده، ولعل واقعة قتل الشيخ ضاري بن محمود للكولونيل الإنجليزي ليتشمان واحدة من تلك الكؤوس التي ذاقها الإنجليز على يد العراقيين.
هذا النضال الذي دفع البريطانيين للتفاوض وعقد معاهدة 1930 التي نصت على أن ما انتهت إليه المعاهدة يدخل حيز التنفيذ عند دخول العراق عصبة الأمم، ولما حدث، غدا العراق دولة مستقلة ذات سيادة، ووجد العراقيون أنفسهم أول دولة عربية تحصل على الاستقلال الكامل بين شعوب المنطقة، وغدت مكانة العراق كبيرة ومحترمة في العالم حتى عام 1958.
حيث رأى عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أن الاستقلال الذي ناله العراق منقوص بتدخل بريطانيا في العراق سياسيا وعسكريا واستغلال أراضي العراق في مغامراتها العسكرية والسياسية كتابع لا إرادة له، فكانت حركة الجيش في 14 يوليو 1958 التي أطاحت بالمملكة وبدأ عصر الجمهورية في العراق، وتتوالى الأحداث حتى الجمهورية الثانية تحت حكم البعث والتي كان صدام حسين ثاني رؤسائها وخامس رؤساء الجمهورية بعد الإطاحة بالشريف حسين.
حصار واحتلال فوق احتلال ظلمات بعضها فوق بعد
منذ العام 1990 فرضت الولايات المتحدة الأمريكية، متزعمة أعضاء مجلس الأمن ومن ثم الجمعية العامة للأمم المتحدة، حصارا قويا على العراق، ذاق فيه الشعب العراقي الأمرين بعد أن تم تجويعه من أجل تركيعه، ولم يكن ذلك عقابا على أفعال اقترفت، بقدر ما هو خطة لإنهاك دولة صاعدة تسبح على بحيرة من النفط، تسعى لتملك أسباب النهضة من خلال العلم والقوة من خلال تملك أسلحة الردع لتأمين نهضتها المنشودة، لاسيما وأن لها جارة لا تخفي أطماعها بمد ثورتها إلى داخل حدود العراق.
في عام 2003 كانت بداية النهاية لجمهورية العراق التي تأسست في 1958 بالغزو الأمريكي للعراق والذي اعتمد على سياسة الضربة الاستباقية لشل الخصم، ما أنتج من دون جيش أو مطارات أو طرق حتى المساكن والمساجد تم ضربها تحت مظلة الخطة العسكرية لشل الخصم، والهدف واضح، هو عراق مدمر يبنى على عين المنتصر، ولأن المهزوم ضعيف فسيسلم مقدراته ونفطه لتجار النفط في واشنطن، وهو المقصود.
ولأن الغازي جاء من بلاد ما خلف المحيطات، حسب حساباته بالخطأ، وظن أن الضرب من الجو سيدخل من على الأرض في الجحور، ولأن من على الأرض أسود لم يهابوا الموت وأذاقوا الأمريكان ما أذاقه أجدادهم للبريطانيين، ولأن الغازي جبان استعان بمن له أطماع ليضرب الفارسي بالعراقي ويجني هو الثمار بعد أن تتساقط الرؤوس، لكن النتيجة أن الفارسي وموالاته هم من جنوا الثمار وسيطروا على العراق، وقنن ذلك المحتل بدستور ثبت فيه الوضع بعد أن خدعه من ظن أنه وليه.
قاسم الأمريكان السلطة في العراق بين مكونات طائفية اختارها على عينه، لتشكل العراق الجديد، مجزلا العطاء لمن خلصه من سيف المنايا الذي حصد الكثير من أرواح جنوده وقياداته في العراق، فسقطت العراق في حجر طهران وأوكلت إدارة شئونه للملالي ومن ربوهم في قم، وأصبح الولاء لطهران لا لواشنطن، وبين الحصار والاحتلال صار احتلال ظلمات يغوص فيها العراق إذا أخرج العراقي يده لا يكد يراها من ظلم وظلمات ما وقع فيه بعد 2003
العراق من الديمقراطية إلى الكليبتوقراطية
بشر الغزو الأمريكي للعراق بالديمقراطية، وإخراج العباد من جور الحاكم الفرد، إلى سعة تعدد الرأي وحرية التعبير، فكتب دستورا قال إنه تعددي ويتيح تداول السلطة بالطرق السلمية الحضارية، حيث لا يتقاتل الناس على مقدرات بلادهم وإدارة مواردها، لأن الشفافية والرقابة حاضران في كل معاملات الدولة، فالأجهزة حاضرة والشعب على ذلك شهيد، وله حق المحاسبة من خلال نوابه في البرلمان.
تسعة عشر عاما من الاحتلال ودستوره لم يرى العراقيون ما وعد به الغازي الأمريكي رغم الآلة الإعلامية التي ينفق عليها المليارات سواء في الداخل العراقي أو في الخارج عبر وسائل إعلام المحتل الأمريكي نفسه.
فمن غرائب الزمان وعجائبه أن أمريكا تصنف العراق ضمن الدول الديمقراطية الناهضة في المنطقة، في محاولة مبتذلة للدعاية لمشروع الديمقراطية المبتور الذي دشنته في العراق وخسر.
الكليبتوقراطية هي كلمة يونانية مكونة من مقطعين (كلبتو) وتعنى اللص، و(قراط) تعنى حكم، أي حكم اللص، ويعرفها علم السياسة بأنها استخدام القادة السياسيون السلطة للاستيلاء على ثروات ومقدرات شعوبهم، بالاختلاس أو فرض مخصصات أو أخذ عمولات أو انشاء مشروعات وهمية أو غير ضرورية لجني أرباح شخصية، وغيرها من طرق نهب أموال الشعوب.
في تقرير لمجلة نيويورك تايمز وتحت عنوان (داخل نظام حكم اللصوص البيروقراطي في العراق) والمنشور في أغسطس من العام الماضي، كتب روبرت وورث عن عراق ما بعد 2003 عما شهده في العراق ورواه شهود عيان عن الابتزاز العلني من الميليشيات لرجال الأعمال والمستثمرين يقول وورث في تقريره (إن من دعم ومكن هذه الميليشيات هي الطبقة السياسية العراقية الجديدة التي لا تسعى إلا إلى الثراء. لقد قامت هذه العصابات المتعددة الطوائف لسنوات عديدة بممارسة الاحتيال على كافة المستويات ومن ضمنها السيطرة المستمرة على نقاط التفتيش، والاحتيال المصرفي، والتحايل على نظام الرواتب الحكومي. عندما تولى عادل عبد المهدي الحكم في عام ٢٠١٨، وسط ترحيب به كمصلح محتمل، حاول ضم الميليشيات للدولة، لكنهم فاقوه براعة وسيطروا عليه. وقد تضمنت حكومته أشخاصاً لهم ارتباطات بأحد أسوأ شبكات الكسب غير المشروع التي ابتلت البلاد بها).
ما ذكره محرر نيويورك تايمز غيض من فيض فنهب أموال العراق على مستويات عدة، تبدأ بعنصر في الميليشيات يستوقف الناس للتثبت من هويتهم فيسرق ما يملكون من أموال أو هاتف نقال وغيره مما يحمله تعيس الحظ، وصولا لسرقة النفط والتعاقد على صفقات توريد الغاز والسلاح وتهريب البضائع عبر الحدود في تجسيد صارخ لمعنى الكليبتوقراطية بمفهومها الاصطلاحي.
تشرين فصل في كتاب نضال العراق نحو الاستقلال
بعد مئة عام من قيام الدولة العراقية التي يحتفل بها سكان المنطقة الخضراء الكليبتوقراطيين لا تزال ثورة تشرين تفور بحمم الغضب من تلك الطغمة الحاكمة في بغداد والتي أفقرت البلاد وأمرضت العباد وأصبح جل حلم الشاب العراقي أن يجد له مكانا في قارب موت نحو أوروبا مغامرا بحياته في رهان يعرف مقدما أنه خاسر، لكن الخسران الأكبر هو البقاء تحت نير الإهانة اليومية وسرقة المقدرات.
وعلى الطرف الآخر تمسك شباب بالأمل وقدموا الوطن على خيارتهم الشخصية فقدموا أرواحهم قرابينا على مذبح الوطن تطيرها رصاصات الميليشيات والأمن إلى من سبقوهم من أجدادهم في مقاومة الاحتلال الأمريكي ومن قبله البريطاني في معركة استقلال الوطن، فما أشبه هؤلاء بهؤلاء، وما أشبه من يناهضونهم، فمن ضحى بروحه قدمها من أجل العراق ومن غزا جاء من أجل استعباد الناس وسرقة مقدراتهم، ولأن الحر يموت ولا يأكل ببطنه، فإن ثورة تشرين ستبقى وإن خفتت جذوتها، لكن دوما تحت الرماد نار ستوقد من جديد لتأكل من عبث بالوطن الكبير فأفقره ليكون تابعا لأعدائه.
يموت الحر لا يرض الهوانا ... وقبح العيش أن يحيا جبانا
فموت العز عيش في الحياة ... وعيش الذل موت إن توانى