موازنات انفجارية بلا رؤية اقتصادية
بقلم| د. يحيى السنبل
يعيش العراق منذ غزوه واحتلاله من قبل الإدارة الأمريكية وحلفائها في ٢٠٠٣ وضعًا اقتصاديا كارثيا جراء سيطرة مافيات وعصابات إجرامية تحت مسميات حزبية وضمن عملية سياسية فاسدة على كل ثرواته ومقدراته، ورغم الميزانيات السنوية الانفجارية المعلن عنها فإن الحالة المعيشية للمواطن العراقي في ترد واضح ومن سيء الى أسوأ؛ فسوق البطالة زاخر بكل أنواع الشباب وبمختلف الأعمار على اختلاف مستوياتهم العلمية، وبعد تحجيم البطاقة التموينية أو الحصة الغذائية التي كانت مكونة من ٢٢ مادة قبل الاحتلال وتسد رمق أكثر من ٧٠٪ من عامة الشعب فقد تم تحجيم هذه الحصة التموينية إلى درجة إلغائها ونهب تخصيصاتها لسنوات عديدة مما زاد من حدة الفقر إلى أن وصل بحسب تقارير رسمية لمنظمات عالمية إلى نسبة ٤٣٪ من مجموع الشعب تحت خط الفقر
حتى أصبحت السلطات الحاكمة تنفذ أجندات مضرة بالوطن وعلى حساب لقمة العيش للمواطن ورهن مقدرات وثروات البلاد لجهات خارجية واستيلاء المافيات على موازنة الدولة منذ عشرين عاما وتسخيرها بامتيازاتها وأرقامها الفلكية لأشخاص لم يكونوا يوما إلا أداة للعدو باحتلال العراق، ولم يكن لهم من فضل على البلاد بقدر ما كان لهم من أذى وتخريب.
ففي ظل أرقام الموازنات المعلنة كان من البديهي أن تصل قيمة الدينار العراقي الواحد بما يعادل دولارا على أقل تقدير لو توفر للاقتصاد العراقي رجال دولة ذو خبرة وكفاءة وليس مجموعة من الفاشلين الذي لا يهمهم إلا إشباع نهماتهم وتقديم أموال بلادهم لأسيادهم خلف الحدود،
لكن النهب المقنن بقوانين عصابات الجريمة التي أفقرت العراق برغم كل هذه الموارد والإمكانات جعلت الدينار العراقي على نفس قيمته أمام الدولار والعملات العالمية الصعبة في سنوات الحصار والتجويع التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على العراقيين
وفي كل فترة يبدع المجرمون اللصوص بإصدار قوانين تحت غطاء رسمي لسرقة الأموال العامة، فقبل عامين خرجوا بقانون الأمن الغذائي الذي لم يؤمن للشعب قدح ماء أو رغيف خبز بل تقاسمت هذه العصابات تحت غطاء المحاصصة والحزبية وبشكل رسمي هذه الأموال الطائلة وهي خارج حسابات الموازنة من أجل مصالحهم الشخصية والميليشياوية، ولم تكن هناك أي جهة رقابية في الدولة أو من قبل الاحتلال أو منظمته (الأمم المتحدة) لتتساءل أين ذهبت هذه الأموال،
وفي كل دول العالم عند انتهاء السنة المالية يستوجب على الدوائر ذات العلاقة تقديم تقاريرها من أجل رصد الميزانية للعام الجديد وفق جداول الإيرادات والصادرات، لكن عصابات المافيا والفساد خرجت بميزانية لثلاثة أعوام دفعة واحدة بلا وجود لأي تقارير عن الوارد والصادر وإنما على أساس التخمين المسبق لثلاث سنوات قادمة
إن ما يجري في العراق خلافا لكل عمل المنظومات المالية والاقتصادية في الحكومات الرصينة بدول العالم، فهناك من يضع الخطة الخمسينية أو العشرية لإطلاق مشاريع اقتصادية وخدمية وإستراتيجية بحسب أولوياتها وما يتصل بحياة المواطن، ويخصص لتمويلها ضمن الموازنة السنوية وفق الإيرادات والصادرات وعلى أساس الأسعار العالمية للنفط والغاز والمواد الأخرى التي تتعرض للصعود والهبوط في ظل ما يشهده العالم من تحركات وحروب جعل تلك الأسعار في تغيير دائم، ولكي لا تقع الحكومات بإحراجات مع شعبها تصل إلى حد الاقتراض من دول أو من البنك الدولي وفق شروط مرهقة لاقتصاديات تلك الدول، أما في العراق فسياسة العصابة والمافيا لا يهمها حال العراق سواءً فشلت الموازنة في إتمام فقراتها حتى وإن ذهبت للاقتراض بشروط مجحفة، وهذا ما وصل إليه العراق، فأشخاص متنفذين وأحزاب كارتونية تملك المليارات بما يعادل ميزانيات دولة، والعراق رغم كل إمكاناته لايزال تحت وطأة الديون، وإنما ما يهم هذه العصابات وضع السبل لنهب المال العام دون النظر إلى حاجة البلاد لمشاريع خدمية وإستراتيجية كبرى ترتبط بحياة العراقيين لبناء واقع اقتصادي يتناسب وإمكانية العراق الكبيرة من الثروات والموارد، بما ينعكس حالة الفرد المعيشية والاقتصادية
ومما يشار له في هذا السياق عن استباحة المال العام ما ذكرته سفيرة الإدارة الأمريكية خلال زيارتها الأخيرة للأنبار، أنها سعيدة بوجود مشاريع عكست ما قدمته الإدارة الأمريكية من أموال لإعمار هذه المحافظة، مما يفتح أبواب التساؤل، أين هي تخصيصات الموازنة والأمن الغذائي وما قدمته منظمات عالمية ودول أخرى للمحافظة، وفي أي مواقع تم رصدها، وهناك من يكذب ويضع صوره ويتبجح بأنه هو من قام بالبناء والإعمار؛ فلابد من ساعة حساب ليطلع الشعب على من يقوم منذ عشرين عاما بتدمير وطنه وهلاك اقتصاده.