الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات ميناء الفاو.. حلم يحتضر.. قتلته الميليشيات.. وباعه المسؤولون

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

بالرغم من المجاملات الإعلامية والدبلوماسية وتبادل الزيارات بين المسؤولين العراقيين والكويتيين إلا أن سياسة حكومة الكويت، وخاصة بعد 1990 وبعد غزو العراق وتغيير النظام فيه عام 2003 ما زالت تتمسك برغبة الانتقام من العراق والتخطيط لمحاصرته وخنقه اقتصاديا في الخليج العربي الذي يعد المنفذ المائي الوحيد للعراق نحو العالم.

اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله هي اتفاقية حدودية بين العراق والكويت، صادقت عليها حكومة بغداد عام 2013 بحجة إنها تنفيذ للقرار رقم 833 الذي أصدره مجلس الأمن في عام 1993 بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990.

أدت هذه الاتفاقية إلى تقسيم خور عبد الله بين البلدين، والواقع في أقصى شمال الخليج العربي بين شبه جزيرة الفاو العراقية وكل من جزيرتيّ بوبيان ووربة الكويتيتين، مما أثار جدلاً كبيرًا في العراق، فنوري المالكي رئيس حكومة الاحتلال على دفعتين وما يسمى البرلمان تنازلا عن جزء من خور عبد الله إلى الكويت، وهو الممر الملاحي الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية، والتقسيم اقتطع أجزاء من الأراضي والمياه العراقية لصالح الكويت.

إن قضية ترسيم الحدود بين العراق والكويت وعقد اتفاقية خور عبد الله وميناء الفاو كان قرارًا كارثيًا مرره برلمان الفساد والتبعية وحكومة المالكي ضد العراق أرضًا وشعبًا، فقد تم بيع الخور بحفنة من الدولارات على حساب العراق فقد اعترف هوشيار زيباري وزير الخارجية الأسبق في حكومة نوري المالكي، أمام مجلس النواب بأنه وزميله وزير النقل آنذاك هادي العامري الذي وقع اتفاقية خور عبد الله ومسؤولين آخرين ضمن الوفد العراقي المفاوض مع الجانب الكويتي، قد تلقوا هدايا من أمير الكويت خلال جولة مفاوضات على قضايا حدودية.

وبعد أن تأكدت الكويت أن المسؤولين في العراق لا يلقون بالا للعراق وأن التفريط بأراضيه أمر لا يثير حفيظتهم؛ خرقت الاتفاقية وأعلنت سيطرتها على مياه خور عبد الله وإغلاق مدخل ميناء الفاو الكبير، هذا إن لم يكن مسؤولوا العراق قد باعوا الميناء والمياه بالكامل!

قيام ميناء الفاو الكبير يعني إفشال مخطط خنق العراق بميناء مبارك، وانتهاء التجاوزات على مياه خور عبد الله العراقي بعدما باعته الذمم الرخيصة ممن يسمون ساسة العراق بدراهم معدودة وهدايا تسلمها بأكياس النايلون الحلبوسي والكعبي في مشهد بائس ذليل. قيام ميناء الفاو الكبير يعني ضرب مصالح وموانئ دول أخرى كانت قد اشترت ذمم السياسيين أمثال الخنجر والحلبوسي ليريقوا ما تبقى من ماء الجبين، ويستلموا المال الرذيل حتى لا يعود العراق قوة اقتصادية وسياسية مستقلة؛ ويبقي العراق منهزما أمام مشروع إيران الاستراتيجي الذي يهدف إلى أسر العراق اقتصاديًا.

كان المقرر أن يتم إنشاء ميناء الفاو الجديد، في عام 2024 ويحتوي على90 رصيفاً مخصصاً للسلع التجارية، بالإضافة إلى ستة أرصفة للنفط تصل طاقته الإجمالية إلى حوالي 25 مليون حاوية، وهو ما يسمح للسفن الكبيرة القدوم إلى الميناء مباشرة من دون المرور بدول أخرى لتفريغ حمولتها، وهو ما سيعود بفوائد كبيرة على البلاد. وقد حصل كاسر الأمواج الغربي الكبير بميناء الفاو، مؤخرًا على شهادة من موسوعة غينيس باعتباره الأطول في العالم، حيث يبلغ طوله نحو 15 كيلومترا وكلف بناؤه 591 مليون دولارا، وينتفع من هذا المشروع أهالي البصرة والجنوب وسيوفر أكثر من 100 ألف فرصة عمل في المرحلة الأولى ثم ترتفع تدريجيًا إلى أن تصل إلى 250 ألف فرصة عمل لمختلف شرائح المجتمع العراقي.

إلا أن تلكؤ إتمام هذا المشروع وتعمد تأخير إنشائه وفتحه هو بسبب بيع ضمائر المسؤولين وفسادهم الذي أزكم الأنوف وتنافس الميليشيات المسلحة فيما بينها على السيطرة عليه، فمنذ الوهلة الأولى للمشروع بدأت الأحزاب والميليشيات المسلحة مثل (ميليشيا صادقون) بالتنافس على عقود بنائه وهي الآن تدير جزءا من البنية التحتية في الميناء من أجل الربح.

وفي ظل حكومة الإطار برئاسة السوداني ومن خلفه نوري المالكي وهادي العامري المسؤولون عن بيع ميناء الفاو وأرض العراق وخنقه؛ سيتم القضاء على مشروع الفاو بشكل نهائي لصالح دول الجوار. وإنهاء فكرة أن تكون البصرة مدينة ساحلية وبوابة إلى أوروبا؛ خصوصا أن المقرر هو أن يصل طول الأرصفة إلى 12 كيلومترا، وطول قناة الجرف 30 كيلو مترا لاستيعاب سفن الشحن الضخمة. إلا أن هذا المشروع الضخم قتلته أحزاب السلطة وقتلوا من خلاله حلم ملايين العراقيين.

حكومات ما بعد 2003 وأحزابها باعت حدود العراق البرية والبحرية الاستراتيجية ونهبت ثرواته ودمرت اقتصاده لحساب أعدائه، فعمل الخونة والمرتزقة على خنق العراق برًا وبحرًا بذرائع واهية وهي تنفيذ القرارات الدولية.

الكويت التي استغلت قرارات مجلس الأمن الخاصة بالغزو من أجل انتزاع المزيد من الأراضي والمساحات المائية والحقول النفطية المشتركة بين البلدين، مستفيدة من الثغرات القانونية في القرارات الدولية والاحتلال الأمريكي للعراق وضعف حكومات بغداد وفسادها وتفشي الرشى بين مسؤوليها لخنق العراق بحريًا ولم يكن هذا ليحصل لو كان هناك حكومات ومسؤولين في العراق معنيون بمصالح العراق وسيادته واستقلاله. خصوصًا أن ميناء مبارك في خور عبد الله، رغم وجود مساحات واسعة للكويت على الخليج، إلا أنه يهدف إلى خنق العراق وانتزاع مساحات مائية كبيرة منه وحصر التجارة العالمية في المنطقة بالكويت، ويضاف إلى ذلك تواطؤ المسؤولين في حكومات ما بعد 2003 مع مشروع الكويت وعرقلة إكمال بناء ميناء الفاو العراقي مقابل حفنة من الدولارات للمسؤولين الفاسدين في النظام السياسي في العراق.

وهنا لا بد أن نذكر الجارة الكويت بأن السياسيين الحاليين طارئون على العراق وأن الخراب والدمار الذي لحق بالعراق هو نتيجة الغزو وتسلط الطارئين، وأن أي مساس بأرض العراق وثرواته وحقوقه البحرية سيعود بالسلب على الطرفين وستكون له تداعياته السلبية ليس الآن فقط بل في المستقبل أيضًا.

أصوات تغاضت وتناست وتجاهلت وتآمرت لإفشال مشروع بناء ميناء الفاو وعدم إدخال العراق في طريق الحرير، الذي يمثل الركن الأساس في أيدلوجية الصراع الصيني في إثبات الوجود وتحقيق الحلم إزاء التحدي الأمريكي وما يمثل ذلك من فرصة للعراق في تحقيق الذات وإعادة السطوة والريادة والنهوض والازدهار والتحاق مع باقي الدول في التطور والعمران.

ولذلك لا بد أن ينتبه الشعب العراقي إلى خطورة استمرار فساد هذه الأحزاب وتسلطها على العراق، فمشروع الفاو هو إحدى كوارث تداعيات استمرار هذا النظام، وإكمال مشروع الميناء يساهم في زيادة ورادات العراق وينهي جزءا من البطالة ويساهم التطور الصناعي والزراعي وفي جميع المجالات التعليمية والصحية وغيرها. ولذلك فإن ميناء الفاو الكبير وطريق الحرير يستحق أن تصدح له أصوات الوطنيين وأقلام المثقفين؛ عسى أن تكون صرخة توقظ الغافلين وتساهم في إزاحة الفاسدين.

مقالات متعلقة