نظير الكندوري
بعد مضي سنوات عديدة على تجربة الكرد في إنشاء كيان لهم في شمال العراق برعاية أمريكية – غربية، فشل الحزبين الكرديين الرئيسيين في إيجاد كيان كردي موحد يستطيع أن يعيش بكنفه الشعب الكردي وهو مطمأن على حياته وعلى مستقبله. وفشل الحزبين في التخلص من العقلية الحزبية والنزعة العشائرية والعائلية التي تصبغ حزبيهما، ولم ينجحا في تقديم المصلحة الكردية العامة على المصلحة الحزبية الضيقة، من خلال تشكيل مؤسسات حكومية تمثل جميع الكرد وليس مؤسسات منقسمة ما بين الحزبين.
ما شهده الكيان من حروب طويلة، ومشاكسات واختلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني طيلة الفترة التي تلت انشاء الكيان، يصعب علينا حصرها، وحرب الأربع سنوات التي خاضها الحزبين وهم مازالوا في ظل الحماية الجوية للولايات المتحدة، لم تنه حتى جاءت وساطتها، أو لنقل “أوامرها” لإنهاء تلك الفوضى، وفرضت إرادتها على الحزبين، لتشكيل إدارة موحدة للكيان، تضم كليهما، بالإضافة إلى باقي الأحزاب الكردية الأخرى لتكتمل الصورة (الديمقراطية) المطلوبة.
مع ذلك، لم يستطيع الحزبان أن يحققا تلك الأهداف، ولم تر النور إلا في شكلياتها التي لا تعني للمواطن الكردي شيء. وبقيت للحزبين إدارتيهم المختلفتين، ومناطق سيطرتهما، بالإضافة إلى – أهم ما في الامر- أن لكل حزب ميليشياته الخاصة، والتي تسمى بـ”البيشمركة”، ثم انبثقت بعد ذلك لكل حزب أجهزته الأمنية الخاصة، لتوظيفها في عملية دعم الامن الخاص بمناطق التي يسيطر عليها، وليس لدعم الكيان الكردي الجديد.
ومن المحطات الجديدة في مسيرة التناحر بين هذين الحزبين، هي الاحداث الأخيرة في منطقة (زيني ورتي) القريبة من جبل قنديل، وهي منطقة تخضع لنفوذ حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، قرب منطقة رانية في محافظة السليمانية. فقد قامت قوات “البيشمركة” التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني (جماعة مسعود البارزاني)، بنقل جزء من قواتها إلى تلك المنطقة بحجة السيطرة على انتشار فيروس كورونا، وقامت بنصب حواجز لهذا الغرض واعداد السواتر، الأمر الذي أثار غضب الاتحاد الوطني، وطالبوا بسحب تلك القوات فورا حتى لا تكون سببا لتوتر جديد بين الحزبين، ومنعا لمواجهة عسكرية بينهما، وفسر الاتحاد الوطني تلك الخطوة من جانب الديمقراطي الكردستاني، بانها خطوة سياسية، لمحاولة توسيع نفوذه على حساب الاتحاد.
لكن التطور اللافت والأكثر خطورة، هو إن قوة أخرى تابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK)، جاءت هي الأخرى من جبال قنديل القريبة من المنطقة، وأقامت نقاط عسكرية على مقربة من نقاط تواجد قوات البيشمركة التابعة للديمقراطي الكردستاني، الأمر الذي استدعى قيام الطائرات المسيرة التركية، بقصف قوات حزب العمال وأوقعت في صفوفهم عدد من القتلى والجرحى. فجّر هذا الوضع حربا كلامية بين الحزبين، تبنتها الوسائل الإعلامية التابعة لهما، لتصب الزيت على النار، وتبقي الازمة متأججة بين الحزبين حتى الأن. أما الحزب الديمقراطي، فقد أورد أسبابا أخرى فضلا عن مكافحة فيروس كورونا، حينما نوّه أحد قياديه، بالقول “هناك فراغ أمني في تلك المنطقة، وقوات حزب العمال الكردستاني تستغل تلك الفراغات الأمنية لتتواجد بها، وبالتالي يدفع الثمن المواطنين الأبرياء نتيجة القصف التركي”. وهذا يشير فعليا إلى تعاون قيادة الديمقراطي مع تركيا في مكافحة تواجد حزب العمال في كردستان. لكنه أضاف سببا ثالثا لهذا الموضوع، بالقول ” إن هذه المنطقة تؤدي إلى مدينة “شقلاوة” التي تقع فيها قاعدة الحرير العسكرية، حيث تتواجد القوات الأميركية، وأضاف، من واجبنا حمايتها لمنع أي توترات عسكرية بين إيران وأميركا نحن في غنى عنها”. وعلى ما يبدو أن هذا السبب الأخير، هو أحد أهم الأسباب في هذه التحركات الأخيرة، في ظل تزايد التوترات الإيرانية الامريكية في المنطقة. يذكر أن هذه القاعدة، قد سبق أن تم استهدافها بصواريخ إيرانية ردا على اغتيال قاسم سليماني قبل بضعة اشهر.
تعود جذور المشكلة الحالية وحالة التوتر بين الحزبين الكرديين، الى مرحلة الاستفتاء، عندما أصر الديمقراطي حينها على اجرائه، بينما تردد بقبوله الاتحاد واغلب الأحزاب الكردية، تلتها تطورات جعلت عميلة الاستفتاء تأتي بنتيجة عكسية حينما دخلت القوات العراقية والحشد الشعبي الى مدينة كركوك عام 2017 وتم طرد البيشمركة منها. حينها اتهم الديمقراطي قيادات في الاتحاد الوطني بالخيانة، والتواطؤ مع بغداد في تسليم كركوك. ثم تطور هذا التوتر بين الحزبين، بعد انتخاب لاهور شيخ جنكي وبافل طالباني كرئيسين مشتركين للاتحاد الوطني الكردستاني، وهما المتهمان من قبل الحزب الديمقراطي بالاتفاق مع الحكومة المركزية وخيانة الاكراد، “حسب تعبيرهم”، حتى جاءت المشكلة الجديدة في منطقة زيني ورتي في منطقة رانية.
لماذا منطقة زيني ورتي؟
تعتبر هذه المنطقة الواقعة في قضاء رانية، من المناطق الاستراتيجية، بسبب اشرافها على سلسلة جبال قنديل التي تتمركز فيها قوات حزب العمال الكردستاني، وهو حزب كردي تركي انفصالي يشن حربا على الدولة التركية منذ عشرات السنين. كما تعتبر منطقة زيني ورتي، حلقة وصل بين المثلث الحدودي الإيراني – العراقي – التركي. لذلك فإن عددا من المراقبين يفسرون التحرك الأخير للقوات التابعة للديمقراطي الكردستاني، بأنه جاء بدفع وتعاون من تركيا، للحد من تحركات حزب العمال. الأمر الذي قاد حزب العمال الكردستاني، وفي خطوة استباقية منه، بإرسال عناصر قواته لتعزيز انتشارهم في المدينة، تزامنا مع دخول قوات الحزب الديمقراطي المتهمة بالتعاون مع تركيا. استغلت القوات التركية تواجد حزب العمال في المنطقة، لتشن هجمات عليه بطائرات مسيرة، وتصيب عدد من عناصره، بالإضافة إلى عدد من عناصر بيشمركة حزب الاتحاد الوطني المتعاون معه، ثم قامت الطائرات التركية سريعا بعد ساعات قليلة، بقصف منطقة مخمور التي تحوي منشآت تابعة للعمال الكردستاني. الأمر الذي استنكره وزير الخارجية العراقي محمد علي الحكيم، وقام باستدعاء السفير التركي في بغداد فاتح يلدز، وإبلاغه بانزعاج الحكومة العراقية من القصف التركي.
وبسبب خطورة التطورات، قام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بمحاولة لنزع فتيل التوتر الحاصل، ووجه طلبا لحزب العمال، وللحزب الديمقراطي، بسحب قواتهما من المنطقة لتجنيب المدنيين المخاطر التي يمكن أن تنجم عن أي اشتباك بين الطرفين، يمكن أن يحدث بأي لحظة. لكن حتى الأن لا يبدوا أن الأزمة سائرة نحو الحل.
دور تركيا والحزب الديمقراطي في الاحداث
وفي هذا ا لاطار اتهمت مواقع إعلامية مقربة من حزب العمال الكردستاني، تركيا بتأجيج المشاكل داخل الإقليم. فقد ذكر موقع ” xeber24″: “إن تركيا شنت في شهر أيلول عام 2019، حملة عسكرية كبيرة تحت اسم “المخلب الأول” ضد حزب العمال الكردستاني في سلسلة جبال قنديل المحاذية للحدود الإيرانية – العراقية، بعدها بدأت تركيا حملة عسكرية أخرى متممة للأولى، تحت اسم “المخلب الثاني”، كان الهدف من العمليتين العسكريتين، هي تأسيس وتشكيل منصات استخباراتية وشبكات مراقبة في تلك المنطقة، لقطع تواصل أعضاء حزب العمال، ما بين قنديل وتركيا، وحصار الحزب وقطع احتياجاته اللوجستية”. وأضاف الموقع، “حسب المعلومات التي حصلنا عليها من مصادر عسكرية رفيعة المستوى، وجود تنسيق وتعاون بين وكالة الاستخبارات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، والاستخبارات التركية، لوضع شبكات مراقبة، ترصد اي تحرك لحزب العمال، وإرسالها إلى الطائرات المسيرة التركية، وبسبب نجاح تلك الشبكات التركية بعملها، والتي تقع بمناطق تحت سيطرة الحزب الديموقراطي، تريد تركيا تثبيت مثل تلك الشبكات في المناطق التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني، الرافض للتعاون مع تركيا لتثبيت مثل هذه الشبكات في مناطق نفوذه.
من هذا نفهم السبب الذي جعل حزب العمال الكردستاني حريصا على نقل قواته إلى منطقة زيني ورتي، وحريصا على ادامة التعاون مع حزب الاتحاد الوطني ضد الديمقراطي الكردستاني. فهو يريد أن تبقى القوات التركية بعيدة عن مناطق تواجد قوات حزبه في قنديل، أما من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني، فإن همه الأساس، هو إخلاء تلك المنطقة بشكل نهائي من أي نفوذ عسكري، للحزب الديمقراطي.
وعلى هذا الأساس نرى أن هذين الحزبين الكرديين، مازالا في خصام وتنافس بينهما على مناطق النفوذ، والمكاسب الحزبية، دون مراعاة لمصالح الشعب الكردي، ومن المتوقع أن لا يكون هناك توافق بين الحزبين في الوقت الحالي ولا في المستقبل، ولن يرتقيا ليكونا حزبين قادرين على (دولة)، وسيبقيان يتصرفان كمليشيات. وقد ارتضى كل حزب منهما الارتماء بحماية طرف دولي خارجي، للاستقواء على الطرف الاخر، ففي الوقت الذي ينسق حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع الجانب الإيراني، ويتعاون مع حزب العمال الانفصالي، نجد إن الحزب الديمقراطي الكردستاني في حالة تناغم شديد مع الجانب التركي، وحريص اشد الحرص على تواجد القوات الامريكية بالمناطق التي يسيطر عليها. وإذا كان هذا هو حال الحزبين، فمن المشكوك أنهما يستطيعان تحقيق أحلام الكرد في يوم ما، ومن المشكوك إن يكون لهم القدرة أو الرغبة في التعاون مع الدولة التي ينتمون إليها، لبناء دولة العراق التي تحفظ حقوق كل مكوناتها بشكل متساو. فلطالما كان هذين الحزبين، من أشد الداعمين للحكومات الطائفية والفاسدة بالبلاد، ويقفان ضد كل محاولة لإصلاح أو اسقاط نظام بغداد الفاسد. فهل يا ترى نحن اليوم، على موعد جديد، لمواجهات عسكرية بين الحزبين؟
خاص براسام