بقلم| أحمد صبري
لم يكن غزو العراق واحتلاله معزولا عن حملة التضليل والتحريض التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا ومعهما وسائل الإعلام الذين وضعوا العراق في صدارة الدول التي تهدد الأمن القومي العالمي وارتباطه بالإرهاب العالمي.
وطبقا لهذا التوصيف الذي وضع العراق في خانق لا يمكن الخروج منه إلا بعمل عسكري لتغيير النظام فيه وإعادة إنتاج نظام جديد على وفق الرؤية الأمريكية، ديموقراطي يتمتع شعبه بالحرية والعدالة فضلا عن تسويقه كنموذج للديمقراطية والتعايش السلمي في المنطقة عمومًا.
وإذا رصدنا حال العراق بعد 19 عامًا على احتلاله نستطيع القول إن المغامرة التي تورطت بها إدارة بوش الابن كانت بالمقاييس كافة فاشلة وكارثية، أدخلت العراق والمنطقة والعالم في فوضى عارمة وعدم استقرار ما زالت تداعياتها متواصلة على أكثر من صعيد حتى الآن.
والأخطر من كل ما جرى ويجري هو أن الغزو والاحتلال وفشل المشروع الأمريكي في العراق، ساعد في ظهور ظاهرة التطرف الأعمى الذي أدخل العالم في أتون صراعات لم تنته حتى الآن في مشهد خطير وكأن ما جرى في العراق كان إيذانا بظهور ما يطلق عليه الإرهاب العالمي الذي يدق أبواب العواصم وبات يهدد أمنها والشواهد على ذلك واضحة وجليه.
وهنا نتوقف عند المتحقق في عملية احتلال العراق، ومن هم الرابحون والخاسرون في هذه المغامرة الكارثية؟
ابتداء أن الرابح الأكبر فيما جرى هو إسرائيل، حيث خرج العراق من معادلة الصراع معها من دون حروب، كما أن الرابحين كثر ولا سيما قوى إقليمية في مقدمتها إيران وذيولها في العراق والمنطقة، حيث استثمرت تداعيات احتلال العراق بإعادة تموضعها من جديد على ضوء ما جاء به الاحتلال لنظام جديد تمتد جذوره وعلاقاته ببعض هذه القوى، ما أعاد رسم خارطة التحالفات من جديد وعلاقته بتوازن الصراع بالمنطقة.
وعلى الصعيد العربي فإن إخراج العراق من معادلة الصراع انعكس سلبًا على موجبات الأمن القومي العربي، من خلال فقدانه لأهم ركيزة في عناصره، ما فتح المنطقة أمام أطماع وأهداف كانت حاصل الاحتلال ما أدى إلى تشرذم العمل العربي وضياع بوصلة وحدة الموقف والرؤية لمواجهة ما جرى في المنطقة من انفلات وفوضى بعد غزو العراق واحتلاله.
والسؤال الذي بات يؤرق وينغص حياة المتورطين في المغامرة الأمريكية ومن ساعدها في حملة التحريض على العراق .. لماذا ذهبنا إلى العراق وما هو ثمن تلك المغامرة وهل كسبت واشنطن قلوب العراقيين كما أدعى صقورها بغزوها لبلادهم وتخليصهم من (نظام ديكتاتوري) ووضعهم على سكة الحرية والديموقراطية والازدهار الاقتصادي والإعمار والتنمية والسلم الاجتماعي؟
هذه التساؤلات وغيرها أجاب عليها بعض صقور إدارة "بوش الابن" وحرض على غزو العراق، وأول هذه الشهادات كانت من وزير الخارجية الأمريكي "كولن بأول" الذي عبر عن أسفه واعتذاره للحرب على العراق ومشاركته بحملة التحريض عليه بمزاعم امتلاكه أسلحة محظورة وخطيرة، كما أن شهادة مدير وكالة المخابرات الأميركية "جورج دنث" هي الأخرى كشفت حملة التضليل ضد العراق، وتصميم بوش الابن على الغزو حيث أكد تنث نفي وكالته امتلاك العراق أسلحة محظورة.
إذًا الخاسر الأكبر في عملية غزو العراق واحتلاله بالتأكيد هو العراق بكل ألوانه وطوائفه لأن الاحتلال أنتج نظامًا سياسيًا هجينًا ليس له علاقة بحاجات وتطلعات العراقيين بوطن تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية وخال من إرهاصات الثأر والانتقام والاحتراب الطائفي.
وتحول العراق بفعل هذه الكوارث إلى بلد فاشل ومتداع وفقير غير قابل للحياة، ثروته منهوبة بفعل تغول حيتان الفساد في جميع مفاصله فضلا عن أنه أصبح مشروعًا للتقسيم والتشظي بفعل عمق الصراعات الطائفية التي نالت من وحدة العراق والمصير المشترك بين مكوناته الأمر الذي وضع العراق في الخانق الذي يتخبط به.