مقاطعة العراقيين لانتخابات مجالس المحافظات دليل وعي وإصرار
وقانون (سانت ليغو) أعاد هيمنة الفاسدين
أسدل الستار على انتخابات مجالس المحافظات في العراق وقد كشفت النتائج عن حجم المقاطعة الواسعة للشعب العراقي، وكان الميثاق الوطني العراقي قد أشار إليها في بيانه رقم (48) الصادر قبل الانتخابات بتاريخ (13/12/2023)، وهذا يؤكد وعي العراقيين وإدراكهم المتقدم بخطورة العملية السياسية الهجينة على مستقبل العراق وأجياله القادمة، حتى وإن مررت نتائجها وتشكلت هذه المجالس التي جاءت كما هو متوقع في إطار تقاسم المقاعد بين الأطراف السياسية المتسلطة على رقاب العراقيين وفق المحاصصة الطائفية والجغرافية مع بقاء المتحكمين بجميع قراراتها والمدعومين إيرانيا وأمريكيا ضمن اتفاق مجلس بريمر.
أما خديعة وجود "وجوه جديدة" فهي لا يمكن أن تنطلي على الشعب العراقي الذي أصبح يعرف أن هذه التغييرات شكلية ولن تؤثر بالواقع السياسي المفروض منذ 2003م، بل هي زادتهم يقينا بخطورة النظام السياسي في العراق وضرورة تغييره، وفشل نظام سانت ليغو الانتخابي الذي كرس حكم الأقليات الحزبية وفرضها على الشعب العراقي الرافض للانتخابات الشكلية التي أصبحت بابًا لتسلط الفاسدين على رقابهم، وبحسب نتائجهم التي أعلنوها بعد تجميلها ورفع نسبة المشاركة فيها فقد قاطعها أكثر من 80% من العراقيين لعدم قناعتهم بالانتخابات ونتائجها، بل وحتى داخل منظومة الأحزاب المتسلطة على رقاب العراقيين أصبح هناك شرخ بين الكيانات السياسية داخل المنظومة الفاسدة، لعدم حصول بعضهم على مقاعد في مجالس المحافظات بسبب سوء قانون سانت ليغو، الذي بطبيعته يحتكر السلطة بالأحزاب المتسلطة ويلتهم القوائم الصغيرة والمستقلين؛ وهذا يؤكد أكذوبة "الديمقراطية" في العراق.
وربما كشفت هذه الانتخابات الصورية عن شيء جديد وهو أن الكيانات العسكرية بنسبة 60% قاطعت الانتخابات علمًا أنها وحدات عسكرية مسيطر عليها ومؤدلجة وتابعة لجهات السياسية وفق قانون دمج الميليشيات الذي أصدره بريمر واستفادت منه إيران وميليشياتها لاحقًا، علمًا أنه قد ثبت ممارسة الضغوط عليهم وإجبارهم على الذهاب للتصويت والمشاركة في الانتخابات؛ وهذا يؤكد تذمر العراقيين وقناعتهم بعد الجدوى من أي انتخابات تجرى في العراق في ظل النظام السياسي القائم حاليًا.
ولا يغيب عن العراقيين أن هذه المجالس أصبحت باب الفساد الواسع لهذه الأحزاب ابتداءً من مخصصاتهم وامتيازاتهم إلى سرقة ميزانيات المحافظات عبر المشاريع الوهمية أو رفع قيمة المشروع أضعافًا مضاعفة وإحالتها على شركات تباعة لهم أو لأحزابهم التي أتت بهم، فضلًا عن نسبة 20% من كل مشروع تستقطع لصالح عناصر هذه المجالس التي أزكمت الأنوف بحجم فسادها، ولذلك لم يقدم أي قائمة أو إتلاف سواء قبل الانتخابات أو بعدها أي برنامج عمل أو خارطة طريق يمكن تنفيذها في المحافظات.
وهناك بعض التساؤلات التي يرددها المواطن العراقي ومنها: هل يستطيع هؤلاء إيقاف الاعتقالات العشوائية ووشاية المخبر السري، وإيقاف التعذيب والابتزاز في السجون الحكومية، أم هل يستطيع أعضاء المجالس في المحافظات المنكوبة التصويت على إخراج الحشود الميليشياوية من المدن، وإعادة النازحين، وتأهيل البنية التحتية في المحافظات وإصلاح الواقع الصحي والتعليمي المتدهور، أم هذه المجالس مجرد مجالس وهمية لاستنزاف وسرقة أموال العراقيين، والواقع يؤكد أنهم خارج نطاق ما يحدث من سيناريوهات لعام 2024 الذي دخلنا فيه قبل أيام قليلة.
إن المنطقة تمر بأحداث وتطورات ومشاريع كبيرة وتدخلات دولية مستمر تستوجب أن يكون العراق على قدر المسؤولية في ظل المخاطر المحيطة به، إلا أن الواقع المرير الذي نعيشه يثبت أن حكومات العراق هي جزء من المشكلة الكبيرة التي يمر بها العراق والمنطقة، ولعل ما يحدث في غزة من جرائم الإبادة التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد أهلنا في غزة وفلسطين عمومًا وارتداد ذلك على المنطقة أو ما يحدث على الأراضي العراقية والتدخلات الدولية والإقليمية وصراعها على أرض العراق يثبت أن حكومات ما بعد 2003 ما هي إلا أدوات في المشاريع الدولية والإقليمية.
وهذا ما يؤكد أن مجالس المحافظات لا تمتلك القدرة على فهم ما يحدث من مخططات دولية فضلًا عن تخطي الأزمات وإيقاف المشاريع الخبيثة التي تقودها إيران في العراق والمنطقة، هذا إن لم يكونوا أدوات تعمل لصالح إيران. والسؤال الأهم ما هو حجم الأزمات والنوازل والفتن التي ستقع على العراقيين ويدفعون ثمنها خلال العام الجديد 2024؟.