على ماذا تراهن الولايات المتحدة في مصطفى الكاظمي رئيس الحكومة العراقية الجديد؟
ماذا تريد منه ان يحقق لها لتكون على هذه الدرجة من الفرح بمجيئه الى سدة الحكم ؟ ولماذا يذهب محللون وسياسيون بسرعة شديدة الى ان المرحلة الايرانية انتهت في العراق وبدات المرحلة الجديدة ، حتى لو لم يسموها المرحلة الامريكية؟ هل بات مكسبا استثنائيا ان تحصل واشنطن على سياسي شيعي غير اسلامي للامساك بالحكم؟ ماهي عناصر القوة التي يمتلكها الكاظمي ولم تكن متوافرة لاسلافه عبدالمهدي والعبادي والمالكي والجعفري ونعلم ان الحكام في العراق استمدوا قوتهم من تشريع دستور يصب لصالحهم ولا يتغير ابدا ماداموا يتحكمون بالبرلمان ، وفتاوى توفر لهم الغطاء المسلح في الشارع ولترهيب الخصوم ، والكاظمي ليس له نصيب في هذين المجالين ؟
وبرغم ما سنقوله هنا فإن الكاظمي هو رجل المرحلة الذي لا غنى عنه امام وضع العراق المتداعي بكل معنى الكلمة ، والدول الكبرى تدرك ان العراق مفلس تماماً ..
أولاً ، لنرجع الى الطبيعة التكوينية للكاظمي كرجل سياسة ، نرى بوضوح انه ليس ذا تكوين قيادي وغير ممارس في الانفاق التنظيمية التصاعدية للاحزاب التقليدية وانما له تكوين احتوائي مزدوج وعينه تتجه لمن يقف في الزعامة فقط ، من حيث انه لم يكن يستطيع العمل الا من خلال الاسم الكبير الذي يستظل به . ولعل الكاظمي صاحب الحيوية المشهودة في الوصول الى رؤوس القيادات على اهراماتها السياسية عانى من عدم تقدير السياسي الراحل احمد الجلبي في لندن حين تقرب اليه بشدة لكن لم يجد امام نجومية الجلبي وفردانيته في الصورة دائما فرصة للظهور اكثر مما اتيح له لاسيما ان القريبين من دائرة الجلبي نهاية التسعينيات من القرن الماضي كانوا من عتاوتة المعارضة ومن الصعب منح فرصة التقرب من مركز الغنائم الذي كان يمثله الجلبي بحكم تأثيره في اوساط امريكية متعددة .
لكن الكاظمي افاد في تلك المرحلة اذ حققت له احتواء من الضياع والذوبان التجاهل واوجدت له خط مسار للشروع . حين سقط نظام صدام حسين ووصل الجلبي الى بغداد لم تتح له الفرصة التي حلم بها بحكم العراق ، ومن باب اولى ان ينال المقربون منه التهميش ايضا الا من يستطيع اعادة انتاج نفسه على المحاور القوية النافذة بالبلد . ولان الامريكان كانوا يحتلون العراق فقد كانوا الرقم الصعب الاول ، وهنا التحق بأحد عرابي فكرة احتلال العراق بالقوة العسكرية ومسح ذاكرته واعادة تشكيلها من خلال كنعان مكية ومشروع الارشيف العراقي الذي تحوم حوله الشبهات في محتواه الاسرائيلي من اجل عزل المخطوطات اليهودية النفيسة وما يتصل بالسب البابلي وأنبياء بني اسرائيل ونسخة التوارة الاصلية الوحيدة ، ونقلها الى اسرائيل ، بدلالة ان المشروع فشل في استخلاص اية فائدة من توثيق ملايين المستندات لدولة كانت قائمة لاكثر من ثلث قرن .
وحين خفت نجم مكية وانكشفت سذاجة تفكيره في فهم المجتمع العراقي المتفجر بالتقلبات ، واصيب بصدمة نفسية عند فشل المشروع الامريكي وسيادة المشروع الايراني بقوة ، لم يتعب الكاظمي في التحول الى ظل رجل اخر يتسيد المشهد الامريكي الايراني في العراق هو برهم صالح الذي سلمه مشروعا صحفيا انتهى بفشل ذريع وتبديد بضعة ملايين من اموال امريكية في اصدار مجلة الاسبوعية المقفلة .
الكاظمي في تلك الفترة الانتقالية من حياته المهنية كانت عيناه تلاحق الرؤوس الواقفة والمرتفعة في المشهد ، ووجد ضالته في العبادي الرجل الضعيف الصاعد في غفلة الى القيادة، من دون سند حزبي والباحث عن مَساند تقيه خصومه الحزبيين الكبار المتربصين غير الراحمين مثل المالكي والاديب والحلي ومجاميعهم المؤثرة . هنا تسلم منصباً من مناصب الاحتواء المزدوج رسميا وليس شخصيا كما كانت مساعيه طوال حياته ، فأصبح مديرا لجهاز المخابرات ، ومن خلاله ابدى الايرانيون الرضا الكامل لمسلكه الوظيفي ، كما انه كان في ظل رأس الحكم ولم يحتج اليه الامريكان على نحو حاسم ، لأنهم يمتلكون خطوطا مهمة في الجهاز الجديد الذي هم انشأوه عند احتلال العراق ويعرفون امكاناته وحدوده .
جاءت اللعبة الاكبر مع الانتفاضة العراقي في الاول من اكتوبر ٢٠١٩ ، وكان الكاظمي يلعب بالبيضة والحجر باتقان بعد خبرة طويلة ، فأعطى لكل طرف من اطراف الصراع على ارض العراق الانطباع الذي يحتاجه لادامة العلاقة معه ، فهو مع توجه ايران في منع سقوط نظام العملية السياسية الموالي للولي الفقيه ، وهو مع خطوط ناشطة في التظاهرات من خلال تدخله في اطلاق سراح عدد من الشباب السلميين المختطفين من ساحة التحرير واستخدام تقنيات التتبع الالكتروني والاتصالات السرية ، في وقت اعطى رسالة عدم رضا للشارع العراقي على قرارات ازالة شخصيات عسكرية لها شعبية من المشهد منهم الفريق عبدالوهاب الساعدي . اما الامريكان فقد قطفوا النتيجة في اغتيال قاسم سليماني وابو مهدي المهندس ، ولم يعودوا يهتمون بمن تعاون معهم او لم يتعاون .
الان الكاظمي الذي لا حزب له ولا انصار وتفجرت تظاهرات ضده في الكوت واماكن اخرى بعد تنصيبه ، يجد نفسه وحيداً في مركز القيادة وهو الذي ادمن الاستظلال بالظلال العالية ، حتى في اكتساب لقبه الكاظمي ، ياترى عن اي ظل يبحث ، وأي الظلّين يبدو أعلى من سواه في عينيه اللحظة ، الظل الامريكي أم الايراني ؟
المصدر/صحيفة قريش لندن