جهاد بشير
مما بات معلومًا بالضرورة أن القضية العراقية وعلى مدى سبع عشرة سنة؛ تعزّزت فيها العديد من القواعد والحقائق في ميدان العمل السياسي، ولعل الحقيقة الكبرى في هذا الشأن تنص على أن أي حكومة تقوم ضمن محددات العملية السياسية بأنماطها وأطرها التي تشكلت في ظل الاحتلال الأمريكي ويجري تحديثها مرحليًا في ظل الاحتلال الإيراني؛ لن يكتب لها غير الفشل مآلاً، ولن تصدر عنها مخرجات ذات اعتبار تؤهلها لتنتسب إلى العراق فضلاً عن قيادتها له سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
العملية السياسية قبل ثورة تشرين ليست كما هي عليه بعدها؛ فالمظاهرات التي أسقطت حكومة الاحتلال السابعة، ما تزال تحافظ على هذا المكسب
واللافت للنظر؛ أن العملية السياسية قبل ثورة تشرين ليست كما هي عليه بعدها؛ فالمظاهرات التي أسقطت حكومة الاحتلال السابعة، ما تزال تحافظ على هذا المكسب ليس بسبب ثقل ميداني ـ ضعُف مؤخرًا بفعل الظروف الصحية الناجمة عن جائحة كورونا ـ وإنما بسبب الوهن الذي أصاب النخبة السياسية نفسها نتيجة ضربة ثورية شبه قاصمة؛ كشفت ضحالة العلاقات بين مكونات المنظومة الحاكمة في العراق، وأخرج حقيقة كل حزب وتكتل عن طوره، فأخذ يتخبط فاضحًا نفسه أكثر من أي وقت سلف.
وحتى الآن؛ تبدو القوى المتحكمة في المشهد السياسي العراقي محبطة نوعًا ما في تحقيق ما ترجوه للعبور نحو مرحلة أخرى، فالوكلاء عاجزون عن التأقلم مع مناورات الشريكين المتشاكسين واشنطن وطهران، ولا يتقن حزب أو كتلة سياسية فن اللعب في ميدانهما كما تقتضيه سياسة التخادم وسبل تحقيق المصالح المشتركة، فهما يريدان أن تكون الحكومة وتشكيلها على غير ما سبق، وذلك باتساق نظام المحاصصة كما هو متفق عليه سلفًا ولكن بصيغة يتم بها إيهام الرأي العام والجماهيري خاصة بأن اختيار حكومة ـ يجري استجداء الاعتراف بها جماهيريًا ـ جاء متناسقًا مع مخرجات ثورة تشرين، وهو أمر ما تزال القوى السياسية بأجنداتها وإيديولوجياتها عاجزة عن استيعاب طريقة إتمامه وفق ما يريده أسيادها، وعند هذه النقطة يطول الحديث وتتشعب نقاط البحث فيه، لكن التفصيل فيه سيكون لازمًا ومهمًا ولاسيما في حال اتخذ القائمون على العملية السياسية هذا السيناريو لنزع الاعتراف بحكومة الاحتلال الثامنة.
ولأن القوى السياسية على هذا الحال؛ فإن فشل حكومة الكاظمي يلوح في المدى، ومؤشراته بادية بوضوح في سلوكيات حلفائه قبل خصومه، ولعل مواقف وتصريحات أحزاب إيران النافذة في العراق والتي أمست هي الأخرى على غير وفاق بينها رغم اتحادها في المرجع؛ محل نظر لدليل يعزز من هذه الرؤية ويقوي من رجحانها.
لكن ذلك ربما لا يشكل مصدر قلق كبير لدى الإرادات التي تمسك بمقود العملية السياسية فهي رغم إحباطها مستعدة للقبول بمستوى آخر أدنى من الطموح إذا كان يحقق لها هدفًا مرحليًا، لذلك فهي تمتلك خيارات أخرى وخططًا ثانوية لتسيير المرحلة، يأتي في مقدمتها التعويل على حالة الفوضى والاعتماد على تأزيم الأوضاع سياسيًا وأمنيًا ـ وبالضرورة اقتصاديًا ـ وهو ما تتقنه حتى الآن قوى العملية السياسية التي تجيد الصراع وتبدع في تحركات الإزاحة نحو المكاسب، ولكن لأنها أرضية الغاية والهدف؛ لن تكون مؤهلة لتمارس مستويات أعلى من اللعبة، وهو مما يجعل القوى المتحكمة تطيل مدة العمل خلف الكواليس ودون إعلان صريح لموقف من شأنه أن يحسم الخلاف وينتهي إلى ما تريده.
المشهد العراقي مقبل على مشكلات جديدة، وتعقيدات تزيد من فوضويته وتوسع من مساحات الفشل ومواضع الإخفاقات فيه على كافة المستويات
المشهد العراقي مقبل على مشكلات جديدة، وتعقيدات تزيد من فوضويته وتوسع من مساحات الفشل ومواضع الإخفاقات فيه على كافة المستويات، ومن هنا؛ ربما يكون الخيار القادم لدى القوى السياسية هو الإبقاء على حكومة “تصريف الأعمال” مستثمرة ما تحسبه انحسارًا في المد الجماهيري لثورة تشرين، ولكن إذا ما كانت ثمة عقبات حقيقية تواجه مسار هذا الخيار وفق توازنات العملية السياسية؛ فإن احتمال استخراج حكومة ناقصة أخرى من أنقاض سابقاتها وارد وغير مستبعد.