لقاء العدد مع الحقوقية ديالا شحادة
خبيرة في القانون الجنائي الدولي ومديرة مركز الدفاع عن الحقوق والحريات المدنية
الميثاق| ما هو تقيمكم لحقوق الإنسان في العراق؛ باعتباركم من الشخصيات البارزة في الدفاع عن حقوق الإنسان؟
شحادة| كل بلد يسجن ويقتل فيه المواطنون والإعلاميون لمجرد تعبيرهم عن رأيهم هو بلد في أسفل سلم الحريات وحقوق الإنسان.
وبحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان المتعلقة بالعراق سواء منظمة هيومن رايتس ووتش وبعض المراكز الحقوقية الأخرى فإن الانتهاكات في العراق كبيرة ومخيفة، تقول بلقيس والي الباحثة المختصة بحقوق الإنسان في العراق بتاريخ 27/3/2023: أتذكر ذلك اليوم في 2016 الذي أيقنت فيه أن الحكومات العراقية ليست مهتمة بتعزيز المساءلة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. منذ 2003، رفضت السلطات العراقية التعامل بشكل مناسب مع "هيومن رايتس ووتش". ونادرا ما توافق السلطات على طلباتنا للاجتماع معها أو حتى ترد على رسائلنا. كلما نُشرت تقارير هيومن رايتس ووتش حول الانتهاكات في العراق، كانت الحكومة تنتقد عملنا على الدوام باعتباره متحيزا، وغالبا ما تدّعي دون وجه حق أننا لم نمنح السلطات فرصة للرد. لم نكن وحدنا من يواجه هذا الأمر، فقد تم تجاهل مجتمع حقوق الإنسان الأوسع في العراق.
وهي التي صرحت: بأن الحكومة في العراق ليس لديها أي اهتمام حقيقي فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ولا حتى قليلا.
وتقول سارة صنر الباحثة بالشأن العراقي: بعد 20 عاما ما تزال حرية الصحافة مُهددة في العراق، استمرار الاعتقالات والمضايقات والقتل، السلطات العراقية تنظر إلى وسائل الإعلام على أنها خصم يجب احتوائه والسيطرة عليه، بدل اعتبارها جزءا أساسيا من المجتمع العراقي. ولذلك تُسيء السلطات الفيدرالية العراقية وحكومة إقليم كردستان للقوانين المصاغة بشكل غامض، لتوجيه اتهامات جنائية للمنتقدين. تستخدم السلطات أحيانا الملاحقات القضائية وفق هذه القوانين لترهيب وإسكات الصحفيين والنشطاء وغيرهم من الأصوات المعارضة.
وفي تصريح سابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أيضا تقول: تواصل الأجهزة الأمنية التابعة للدولة عمليات الاعتقال والسجن التعسفي، وتعذيب المحتجزين، والإخفاء القسري، والقتل خارج إجراءات القضاء؛ تهدد انتهاكات الحقوق الاجتماعية والاقتصادية أيضا ملايين العراقيين، بما في ذلك من الدمار البيئي. مع اعتماد الاقتصاد السياسي بشكل كبير على النفط، يقف العراق على جبهة تفاقم عواقب الاحتباس الحراري. ردود الفعل الحكومية المقلقة على الأزمات المتزايدة والجهود الشعبية لمعالجتها - بما فيها العنف ضد المتظاهرين المطالبين بمستقبل أفضل – زادت من الانتهاكات بينما تقاعست عن معالجة الظروف القاسية التي يعيشها العراقيون يوميا.
للأسف هذه التقارير والتصريحات تعطي تصورا واضحا عن واقع ملف حقوق الإنسان المأساوي في عراق ما بعد 2003.
الميثاق| يعاني العراق من الإخفاء القسري لآلاف الأبرياء كما حدث لمختطفي الصقلاوية، والرزازة، وصلاح الدين، والموصل؛ فكيف ينظر القانون الدولي لهذه الجريمة؟
شحادة| القانون الدولي جرم هذه الجريمة والمتورطين فيها فعلا أو تكتماً بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من جريمة الاختفاء القسري التي دخلت حيز التنفيذ وصادق عليها العراق سنة 2010. غير أنه ما من آلية لإلزام الدول الأطراف بموجباتها بموجب هذه الاتفاقية أسوة بمعظم الاتفاقيات الدولية التي يبقى لمرجعها التشريعي (مجلس الأمن أو مجلس الدول الأطراف في حالة الاتفاقية الدولية خارج إطار الأمم المتحدة) اتخاذ الموقف من الدول غير الملتزمة سنداً للقانون المرتبط.
وقد شهد العراق خلال العقدين السابقين آلاف من حالات الإخفاء القسري وقد أكدت عدة تقارير ذلك؛ فبحسب "اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، العراق فيه أكبر عدد في العالم من الأشخاص المفقودين وقدرت اللجنة أن العدد يتراوح بين 250 ألف ومليون شخص. ومنذ عام 2016، توثّق "هيومن رايتس ووتش" عمليات الإخفاء القسري المستمرة على أيدي قوات الأمن العراقية. على حد علم المنظمة، لم تفعل السلطات في بغداد وإقليم كردستان ما يكفي لمعاقبة الضباط والعناصر المتورطين في حالات الإخفاء.
وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش على سبيل المثال لا الحصر في 2018، 78 حالة إخفاء قسري لرجال وفتيان في العراق اعتُقل غالبيتهم في 2014، من قبل "قوات الحشد الشعبي" (وهي رسميا تحت سيطرة الحكومة)، أو "جهاز الأمن الوطني" في مواقع احتجاز غير رسمية. قال الجميع إنهم تعرضوا للضرب طوال فترة احتجازهم.
وأيضا وثقت المنظمة إخفاء 600 شخص من قبيلة المحامدة في الصقلاوية على يد الحشد الشعبي.
وكشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان (منظمة غير حكومية)، نهاية العام الماضي، أن أكثر من 11 ألف عائلة عراقية أبلغت عن مدنيين فُقدوا خلال السنوات الثماني الماضية، مؤكداً أن السلطات العراقية لم تتابع الملف ولم تسع لكشف مصيرهم.
ولذلك تشكلت لجنة أممية لتتبع هذا الملف وخلصت إلى أنه على العراق إجراء تحقيقات عاجلة وسن تشريعات للقضاء على الاختفاء القسري ومحاسبة المجرمين.
وقبل أيام صرحت منظمة العفو الدولية: بأنّ الميليشيات المسلحة والتابعة للسلطات الحكومية ما تزال تمارس جرائم الإخفاء القسري في العراق. وشدّدت في تقرير لها، بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسرًا، في (30/8/2023م): على ضرورة الكشف عن مصير المفقودين، ومعاقبة المتورطين في هذه الجرائم بما يضمن حقوق عائلاتهم. ولكن للأسف لا يوجد شيء ملموس على أرض الواقع فالعراق ما يزال يسوف في هذا الملف الخطير ويساهم في إفلات المجرمين من العقاب.
الميثاق| المعتقلون والمعتقلات في سجون الحكومة يعانون الأمراض والجوع في ظل غياب الرقابة الدولية؛ لماذا هذا التجاهل الدولي؟
شحادة| التجاهل هو من قبل الحكومات التي تحركها المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، إلا أن المنظمات الدولية الحقوقية تسلط الضوء باستمرار على الانتهاكات الحقوقية في العراق. يبقى أن تكريس الوعي داخل العراق هو الطريق الأمثل، ولو كان مكلفاً، من أجل التغيير السياسي الآيل إلى إفراز طبقة سياسية تحترم الإنسان وحقوقه الطبيعية.
ونحن نتابع تقارير المركز العراقي لجرائم الحرب في العراق وهو يوثق عدد من الانتهاكات داخل السجون العراقية وقد أصدر عدة تصاريح وبيانات توثيقية لأشخاص ماتوا داخل السجون العراقية من أثر التعذيب وآخرها تويق المركز لمشاهدَ مروّعةً من تعرض النزيل عبد الجبار عبد الحسين لما وصفه بالتعذيب في سجن التاجي وهذه الحادثة حصل في أغسطس الماضي. وللأسف انتهاك حقوق الإنسان في السجون العراقية مستمر يصاحبه إهمال طبي متعمد وأيضا إهمال في توفير الخدمات اللازمة للنزلاء.
الميثاق| لماذا تصمت المنظمات الدولية والعربية على انتهاكات حقوق الإنسان في العراق مع أنها أزكمت الأنوف لكثرتها وبشاعتها؟
شحادة| المنظمات الحقوقية الدولية مثل العفو وهيومن رايتس ووتش لم تصمت قط على حد متابعتي، خلافا للمنظمات العربية التي يخضع عدد كبير منها لوصاية حكومات الدول التي تنشط فيها، هناك عدة تقارير لمنظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تؤكد وجود انتهاكات حقوق الإنسان كبيرة داخل العراق، ولكن الحكومات العراقية لا تهتم لهذه التقارير لأنها تعتبرها غير ملزمة وكما ذكرت مسبقا، لا يوجد سلطة على الحكومات في العراق إلا من خلال قرارات مجلس الأمن وهذا غير حاصل للأسف. بل ما يحصل هو العكس بمعنى أن المنظمات توثق الانتهاكات ولكن الحكومات في دول العالم وخصوصا في منطقتنا العربية تستقبل المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحفاوة وهذا ما يجعل المجرم يتمادى في إجرامه.
الميثاق| الإفلات من العقاب السمة البارزة لكل مرتكبي الجرائم بحماية حكومية فهل القانون سيلاحقهم مستقبلا أم أنهم أفلتوا من العقاب؟
شحادة| أؤمن بأن كل مجرم سينال عقابه جسدياً أو معنوياً، آجلاً أم عاجلاً، ولكننا نعيش في حقبة بائسة في منطقتنا العربية المنكوبة بأنظمتها وحكامها، ولكن مع كل ذلك فعمل المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش هو التوثيق الدقيق لانتهاكات حقوق الإنسان، ونشر النتائج على الملأ وتقديمها أيضا إلى المسؤولين عن الانتهاكات، وبدورهم يقومون بالمحاسبة، والهدف من ذلك هو إيقاف استمرار الانتهاكات. وتحميل الحكومات المسؤولية سواء هذه الانتهاكات برعايتها أم بعدم علمها، وعادة إذا لم تهتم الحكومة بما يجري من انتهاكات، تلجأ المنظمات الحقوقية إلى الدول والمسؤولين المهتمين بحقوق الإنسان التي لها تأثير معين عن طريق اللقاءات الدبلوماسية ويحاولون الضغط من أجل إيقاف الانتهاكات.
ولكن بحسب تصريحات أحد المسؤولين العاملين في هيومن رايتس ووتش، فإن الوضع خطير في العراق وذلك من خلال تصريح السيدة بلقيس والي التي قالت: إن نظام التفاعل والاهتمام في العراق قد توقف منذ سنوات بسبب غياب الإرادة السياسية الكافية. أما الضحايا الذين يسعون إلى المساءلة عن الانتهاكات فيعانون من العواقب.
الميثاق| بعثة الأمم المتحدة في العراق تركز على تقريب وجهات النظر بين السياسيين وتتناسى دورها الإنساني؟
شحادة| لعل ذلك لأنها تبحث عن تكريس الأمن والمصالحة على حساب العدالة والمحاسبة. وهذه رؤية موجودة لدى منظمات أممية تعتبر أن هذه الوجهة هي التي تحقن الدماء وتمنع المزيد من إراقتها.
إلا أن العمل على هذا الجانب غير كاف لأن انتهاكات حقوق الإنسان في العراق كبيرة جدا وتحتاج إلى إيقاف هذه الانتهاكات على أقل تقدير وواجب البعثة الأممية هو ذلك.
الميثاق| يرزخ عشرات الآلاف من المعتقلين الأبرياء في السجون منذ سنوات بتهم باطلة وانتزاع اعترافات تحت التعذيب، أو بوشاية المخبر السري؛ ما هي أهدافه السياسية ومخاطره على المجتمع؟
شحادة| التعذيب هو من أبشع الجرائم الدولية التي تنتهجها الأنظمة المستبدة لتطويع الشعوب. وهو يدمر الضحية إن لم يقتلها وينجح بالفعل في تطويع المعارضين ولو مؤقتا. غير أن التاريخ يثبت أن الشعوب تنتفض دوما على الأنظمة المستبدة وتقاوم العنف بمثله ولو بعد حين. والشعب العراقي بين الحين والآخر يرسل رسائل قوية لنظام الحكم في العراق والقائمين عليه، فالتظاهرات المنددة بالسياسات الحكومية وتردي الخدمات متكررة ويكاد لا تمر سنة إلا والتظاهرات الغاضبة تجوب الشوارع فتظاهرات المحافظات الست المنكوبة استمرت سنة كاملة وعندما استخدمت الحكومة القوة لإنهاء الاعتصامات والتظاهرات رأينا ماذا حصل وما هي النتائج المريرة التي وقعت على العراق، وأيضا تظاهرات تشرين 2019 استمرت سنة أيضا وأسقطت حكومة عادل عبد المهدي. ولكن يبدو أن المسؤولين في العراق غير مهتمين لهذه التظاهرات الغاضبة وهذه مشكلة بحد ذاتها.
الميثاق| تكتظ السجون العراقية بآلاف المعتقلين وسط وضع إنساني خطير وابتزاز ذويهم ومساومتهم على حياة أبنائهم؛ من المسؤول عن ذلك وما هي الحلول؟
شحادة| المسؤول طبعا هو الحكومة والسلطة التنفيذية القيمة على هذه السجون، وكذلك السلطة التشريعية المسؤولة عن مراقبة السلطة التنفيذية في عملها وسن التشريعات الكفيلة بحماية الأفراد، والسلطة القضائية المعنية بمحاسبة من يرتكب من التقصير أو الجرائم في إطار الوظيفة العامة.
الميثاق| إقرار قانون العفو العام كان أحد بنود ما يسمى بالاتفاق السياسي لإدارة تحالف الدولة لكنه لم يطبق وسط غضب شعبي وإهمال حكومي؟
شحادة| العفو العام هو حل مؤقت في الدول التي تحاول الانتقال من مرحلة الحرب والانتهاكات الحقوقية إلى مرحلة السلم وسيادة القانون. لست أدري سبب عدم تنفيذه بعد ولكنه يبقى من دون جدوى طالما أن الجرائم مستمرة من دون محاسبة ومن قبل النافذين.
الميثاق| في ظل هذه الانتهاكات الكبيرة والتجاهل المستمر؛ كيف يمكن أن يلعب إقرار قانون العفو العام في تفعيل التعايش السلمي؟
شحادة| العفو العام ليس هو ما يحقق السلم والتعايش الأهلي وإنما الإقرار بالأخطاء وبحث أسباب مرحلة النزاع والانتهاكات من أجل عدم تكرارها وتقصي الحقائق وجبر الأضرار وتكريس دولة القانون الذي يطبق على الجميع بمساواة.
الميثاق| وما هي برأيكم التأثيرات السياسية والإنسانية والقانونية والاجتماعية في تأخر إقرار القانون؟
شحادة| لأن السياسيين غير المخلصين يتعاطون مع أي اقتراح/مشروع قانون بمنطق الغنيمة التي يحاولون تقاسمها أو تفصيلها على قياس مصالحهم كما هو حال اقتراح قانون العفو في لبنان المعلق منذ سنوات بين أخذ ورد وتعديل وتأجيل، وهذا نفسه ما يحصل في العراق اليوم.
الميثاق| ملف حقوق الإنسان والاهتمام به أصبح من أولويات منظمات معنية لدفع الأذى وإنصاف المتضررين به، فما هي مسؤولية منظمات حقوق الإنسان إزاء ما يتعرض له آلاف المعتقلين الذين انتزعت اعترافاتهم بتهم جاهزة؟
شحادة| التوثيق لإثبات وقوع الجرم وتحديد المسؤوليات أملا بمحاسبة ولو بعد حين، والمناصرة لدى المراجع صاحبة القرار.
الميثاق| وأين تكمن جهود غلق هذا الملف الإنساني وإبعاده عن التسيس ونصرة المظلومين؟
شحادة| لدى الحقوقيين أفرادا وجماعات بمن فيهم الإعلاميون والمحامون والناشطون السياسيون لا بد أن يتكاتف الجميع من أجل إيقاف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وتحقيق العدالة الاجتماعية وذلك لا يمكن إلا بإرادة سياسية وطنية عادلة لا حكومات فاسدة تدار على المحسوبية بأبعاد طائفية وحزبية مقيتة.