بقلم| أحمد صبري (كاتب وصحفي عراقي)
يطلع علينا بين الحين والآخر بعض المسؤولين الأمريكان وحتى الغربيين بتصريحات تحذر من تكرار "أخطاء" غزو العراق في سوريا إذا انتهت خواتيم أزمتها برحيل النظام.
ومرد هذه التصريحات مرتبط بالمأزق الأمريكي والغربي في التعاطي مع الأزمة السورية وتطوراتها، وليس بالحرص على منع تكرار الخطايا والجرائم التي ارتكبت خلال وبعد احتلال العراق.
فسوريا ليست مثل العراق، فهي ليست محاصرة وتئن تحت وطأة قرارات أممية، وهي مفتوحة على جيرانها خصوصًا لبنان والعراق وتركيا والأردن، فيما يلقي موقفي إيران والكيان الصهيوني بظلاله على مسار الأحداث في سوريا.
ونزيد على تلك الفوارق بين الدولتين فإن العراق واجه تدخلًا عسكرًيا سافرًا قادته الولايات المتحدة وبريطانيا خارج إرادة المجتمع الدولي أدى إلى احتلاله وتدمير الدولة ومؤسساتها وانهيار المنظومة العسكرية والأمنية؛ ما وضع البلاد في دوامة العنف الطائفي الذي أودى بحياة مئات الآلاف العراقيين ونهب ثرواتهم وإفقارهم بفعل طبقة سياسية فاسدة وفاشلة أدخلت العراق في الخانق الذي يتخبط به منذ احتلاله وحتى الآن.
أما في الحالة السورية فإن واشنطن ولندن ومعهما حلفائهما يتعاملون بتردد في حسم خواتيم الأزمة نظرا لمخاطر أي تدخل في سوريا على المنطقة عمومًا؛ فالكيان الصهيوني القلق من مخزون "الأسلحة السورية" إذا انهار النظام متأهبة تراقب الأوضاع عن كثب، فيما تلوح إيران بخيار استهداف أي بلد يساعد في أي حملة عسكرية ضد حليفتها سوريا.
فالحالتان مختلفتان إذا أضيف إليهما موقف ميليشيا حزب الله الذي يرى في انهيار النظام في سوريا بمثابة سقوط لجدار كان يحمي ظهره في مواجهة الأخطار.
والمفارقة في حالتي العراق وسوريا أن موقف روسيا والصين المعطل لأي تدخل خارجي في الأزمة السورية ليس هو نفس الموقف الذي كان عليه عام 2003 عندما قررت إدارتا بوش وبلير غزو العراق واحتلاله. إلى حد دعم النظام السوري عسكريًا وماديًا في مواجهة رفض شعبي لمنع انهيار النظام.
فالعراق واجه العدوان العسكري بمفرده معتمدا على قدراته من دون عمق عربي وحتى مساندة قوى كبرى التي اكتفت بموقف المتفرج من دون فعل لمنع غزو العراق كما فعلت مع الأزمة السورية.
فالعام 2003 يختلف عن العام 2022 فقد تبدلت قواعد اللعبة وموازين القوى داخل مجلس الأمن والتحالفات لاسيما بعد الحرب الروسية الأوكرانية وظلالها على الوضع في العالم ما وضع الساعين لخيار التدخل الخارجي بالشأن السوري في مأزق حقيقي بفعل نتائج المتغيرات التي طرأت على تعديل ميزان القوى والمصالح داخل مجلس الأمن الذي عطل لحد الآن أي جهد أمريكي أو غربي للتعاطي مع الأزمة السورية. فضلا عن استعداد تركي بالتعاطي مع النظام السوري وأيضًا موقف عربي متردد حيال التعاطي مع نظام الأسد.
وليس صحيحًا ما يصرح به بعض المسؤولين الأمريكان والغربيين من خشيتهم بتكرار أخطاء العراق في الحالة السورية وهو موقف مناقض ومخالف للمنطق وحقائق الميدان لتبرير ترددهم وعزوفهم عن التدخل العسكري بالشأن السوري
إن الإدارة الأمريكية المترددة والمتناقضة في موقفها إزاء ما يجري في سوريا هي الأخرى تواجه حرجا أمام حلفائها إلا أن هذا التردد المحسوب سياسيًا يعكس القلق من مخاطر المجازفة بعمل عسكري ضد سوريا قد يقود المنطقة برمتها إلى حرب أهلية لا أحد يتوقع بأي اتجاه ستكون خواتيمها.
ونخلص إلى القول: إن جرائم وكوارث احتلال العراق التي لا يريدون تكررها في سوريا إذا سقط النظام هي مبررات تكشف تخبط وتردد المروجين لخيار الحسم العسكري وليس الخوف والحرص على سوريا ما بعد الأسد.